هل يدل إحراق عثمان بن عفان رضي الله عنه للمصاحف وجمع المسلمين على مصحف واحد على أن القرآن الكريم لم يصل إلينا كاملًا؟
السؤال: هل نستطيع أن نقول أن القرآن لم يوصل إلينا بالكامل. لأن عثمان بن عفان حرق مصاحف كثيرة. وجمع الناس على مصحف واحد. وما حرقه، كان فيه أشياء لا يوجد في مصحف عثمان رضي الله غنه
ملخص الجواب:
لا يجوز القول بأن القرآن الكريم لم يصل إلينا كاملًا بسبب إحراق عثمان بن عفان رضي الله عنه للمصاحف؛ لأن الله تعالى تكفَّل بحفظ كتابه من التحريف والزيادة والنقصان. قال الله تعالى:﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وقد جمع عثمان رضي الله عنه المسلمين على المصاحف العثمانية، وأمر بإتلاف ما سواها من المصاحف والصحف؛ صيانةً للقرآن من الاختلاف، ولم يحذف شيئًا من القرآن الثابت الذي استقر عليه الأمر بعد العرضة الأخيرة. وأما ما ورد من وجود بعض الاختلافات بين مصاحف الصحابة، فليس دليلًا على ضياع شيء من القرآن؛ إذ قد يكون من قبيل القراءات، أو ما نُسخت تلاوته، أو التفسير الذي كتبه بعض الصحابة في مصاحفهم. وقد وافق الصحابة رضي الله عنهم عثمان على أصل جمع الناس على المصاحف، ولم يكن عمله اجتهادًا منفردًا خالف فيه الأمة.
الجواب:
المسألة الأولى: تكفُّل الله تعالى بحفظ القرآن الكريم
من القرآن الكريم:
- الحجر: ٩
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
- فصلت: ٤٢
لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
- القيامة: ١٧
إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
وجه الاستدلال: أن الله سبحانه تكفَّل بحفظ القرآن وجمعه، فلا يمكن أن يضيع منه شيء مما أراد الله بقاء تلاوته إلى قيام الساعة. والقرآن الذي بين أيدينا هو القرآن الذي أنزله الله على نبيه ﷺ، ونقله الصحابة والتابعون ومن بعدهم بالتواتر، حفظًا وكتابةً.
المسألة الثانية: هل أحرق عثمان رضي الله عنه المصاحف فعلًا؟ ولماذا؟ نعم، ثبت في صحيح البخاري أن عثمان رضي الله عنه أمر بإحراق المصاحف والصحف الأخرى، ولكن ذلك كان لجمع المسلمين على مصاحف موحدة، ومنع الاختلاف والنزاع في قراءة القرآن، وليس لإخفاء شيء من كلام الله تعالى.
من السلف الصالح:
- فعن أنس بن مالك رضي الله عنه:
«أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ ... فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى».
فطلب عثمان الصحف التي كانت عند حفصة رضي الله عنها، وأمر أربعة من الصحابة بنسخها في المصاحف، ثم أرسل إلى الأمصار نسخًا منها.
من السلف الصالح:
- أخرجه البخاري في «صحيحه»
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ ... فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى». فطلب عثمان الصحف التي كانت عند حفصة رضي الله عنها، وأمر أربعة من الصحابة بنسخها في المصاحف، ثم أرسل إلى الأمصار نسخًا منها.
- وجاء في آخر الحديث:
«وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ».
وجه الاستدلال: أن عثمان رضي الله عنه لم يجمع القرآن ابتداءً من عند نفسه، وإنما اعتمد على الصحف التي جُمعت في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكانت عند حفصة بنت عمر رضي الله عنها. فأمر بنسخها وإرسالها إلى الأمصار، ثم أمر بإزالة المصاحف الأخرى منعًا للاختلاف.
المسألة الثالثة: هل وافق الصحابة عثمان رضي الله عنه على إحراق المصاحف؟ نعم.
من السلف الصالح:
- أخرجه ابن أبي داود في «المصاحف» (ص 96)، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (8/ 634).
وقد ثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: «لَا تَقُولُوا فِي عُثْمَانَ إِلَّا خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا فَعَلَ الَّذِي فَعَلَ فِي الْمَصَاحِفِ إِلَّا عَنْ مَلَأٍ مِنَّا».
ثم ذكر مشاورة عثمان للصحابة في جمع الناس على مصحف واحد، وأنهم وافقوه على ذلك. وجه الاستدلال: أن عثمان رضي الله عنه لم ينفرد بهذا العمل، بل شاور الصحابة ووافقوه عليه، ومنهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقد وقع اعتراض من ابن مسعود رضي الله عنه على بعض إجراءات الجمع، ولا ينقض ذلك اتفاق الصحابة على المصحف الذي استقر عليه أمر الأمة.
المسألة الرابعة: هل كانت في المصاحف المحرقة آيات غير موجودة في المصحف العثماني؟ هذه هي المسألة الأساسية في سؤال السائل. وقد وردت روايات عن وجود اختلافات في بعض المصاحف الخاصة بالصحابة، ولكن لا يصح الاستدلال بها على أن عثمان رضي الله عنه حذف شيئًا من القرآن الذي يجب بقاؤه وتلاوته. وهذه الاختلافات ترجع إلى أمور، منها: ١. اختلاف الأحرف والقراءات: فقد نزل القرآن على سبعة أحرف، ثم جمع عثمان المسلمين على رسم المصاحف العثمانية منعًا للاختلاف، وبقيت القراءات الصحيحة المتواترة الموافقة للرسم. ٢. ما نُسخت تلاوته: فقد كان بعض القرآن يُتلى ثم نُسخت تلاوته بوحي من الله تعالى، فلا يكون عدم إثباته في المصحف نقصًا منه. ٣. التفسير والبيان: فقد يكتب بعض الصحابة في مصحفه كلمات تفسيرية لبيان معنى الآية، ولا تكون هذه الكلمات قرآنًا متلوًّا.
من القرآن الكريم:
- البقرة: ١٠٦
مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا
- الأعلى: ٦-٧
سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ
فليس كل ما ثبت أنه قُرئ في مرحلة من مراحل نزول الوحي يلزم أن يكون من القرآن الذي استقرت تلاوته في آخر حياة النبي ﷺ. وقد تناول العلماء هذه المسألة في بيان اختلاف المصاحف الخاصة بالصحابة.
المسألة الخامسة: هل كان القرآن محفوظًا قبل جمع عثمان رضي الله عنه؟ نعم، فقد كان القرآن محفوظًا في صدور الصحابة، ومكتوبًا في عهد النبي ﷺ، ثم جمعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه في صحف. فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أمره بجمع القرآن بعد استشهاد عدد من القراء في وقعة اليمامة.
من السلف الصالح:
- أخرجه البخاري في «صحيحه».
فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أمره بجمع القرآن بعد استشهاد عدد من القراء في وقعة اليمامة. قال زيد: «فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ». ثم بقيت الصحف عند أبي بكر، ثم عند عمر، ثم عند حفصة رضي الله عنهم.
وجه الاستدلال: أن القرآن لم يكن معتمدًا على مصحف واحد يمكن أن يضيع بإحراقه، بل كان محفوظًا في صدور الصحابة ومكتوبًا في الصحف، ثم نُقل إلى الأمة بالتلقي والتواتر.
المسألة السادسة: أقوال العلماء في جمع عثمان رضي الله عنه للمصاحف
من أقوال العلماء:
- الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله
«وعثمان رضي الله عنه لما بلغه اختلاف الناس وجاءه حذيفة رضي الله عنه وقال: أدرك الناس. استشار الصحابة الموجودين في زمانه كعلي وطلحة والزبير وغيرهم فأشاروا بجمع القرآن على حرف واحد حتى لا يختلف الناس».
- وقال أيضًا:
«فجمع الناس على حرف واحد عمل طيب، ويشكر عليه عثمان والصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، لما فيه من التيسير والتسهيل، وحسم مادة الخلاف بين المسلمين».
وجه الاستدلال: أن عثمان رضي الله عنه إنما قصد حفظ القرآن واجتماع المسلمين، ولم يقصد حذف شيء من القرآن أو تبديله.
- الشيخ صالح الفوزان حفظه الله
«فالمصحف إذا كان في حالة لا يمكن الانتفاع به لتمزقه، فإنه إما أن يدفن في مكان طاهر، وإما أن يحرق، وكلا الأمرين فعله صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم».
وقد ذكر أن الصحابة أحرقوا المصاحف عندما جمعوا الناس على مصحف عثمان رضي الله عنه. وجه الاستدلال: أن إحراق أوراق المصاحف لمصلحة شرعية لا يعني إهانة القرآن ولا إتلاف كلام الله المحفوظ.
- الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله
صحح إسناد أثر علي بن أبي طالب رضي الله عنه في موافقة الصحابة عثمان على جمع المصاحف. وذلك في «فتح الباري» (٨/ ٦٣٤). وفي هذا دليل على أن عمل عثمان رضي الله عنه كان بمشاورة الصحابة، ولم يكن تصرفًا منفردًا لإسقاط شيء من القرآن.
- فتوى موقع الإسلام سؤال وجواب
جاء في فتوى بعنوان: «جمع عثمان للقرآن، وإجماع الصحابة على القرآن الذي جمعه، ودفع بعض الشبهات» بيان أن عثمان رضي الله عنه اعتمد على الصحف المجموعة في عهد أبي بكر، وأنه نسخها وأرسل المصاحف إلى الأمصار، وأزال المصاحف الأخرى لقطع أسباب النزاع والاختلاف.
النتيجة: القرآن الكريم الذي بين أيدينا اليوم كامل محفوظ بحفظ الله تعالى، ولم يحذف عثمان بن عفان رضي الله عنه شيئًا من القرآن الذي استقرت تلاوته. وإنما جمع المسلمين على المصاحف العثمانية بموافقة الصحابة، وأمر بإزالة ما سواها منعًا للاختلاف والفتنة. وأما ما ورد من اختلاف بعض المصاحف الخاصة بالصحابة، فلا يدل على ضياع القرآن، بل يُنظر في كل رواية بحسب ثبوتها، وهل تتعلق بقراءة أو تفسير أو نسخ للتلاوة. وعليه، فلا يصح قول السائل: إن القرآن لم يصل إلينا كاملًا بسبب إحراق عثمان رضي الله عنه للمصاحف؛ لأن هذا القول مخالف لما دل عليه الكتاب والسنة، ولما استقر عليه إجماع المسلمين من حفظ القرآن الكريم من الزيادة والنقصان.
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلةفتاوى ذات صلة
كيف يمكن للإنسان أن يُنشئ علاقة قوية مع القرآن ويكون من أهل الله وخاصّته
كيف يمكن للإنسان أن يُنشئ علاقةً قوية مع القرآن، وأن يكون من أهل الله وخاصة؟
هل الأحرف السبعة كلها من كلام الله؟
أعلم أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وأعلم أن القرآن كلام الله. فهل يمكن أن نقول إن جميع هذه الأحرف السبعة هي كلام الله، وأن الله تكلم بها كلها؟
لماذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حسبنا كتاب الله" في مرض النبي ﷺ الأخير؟
لماذا منع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إحضار الكتف والدواة للنبي ﷺ؟ فقد قال: "حسبنا كتاب الله". فهل كان يرى أن القرآن وحده يكفي دون السنة؟ أليس في ذلك تعارض أو تناقض؟
ما حكم من يقول قرآن شفاء وانجيل شفاء وتورات شفاء؟
ما حكم من يقول قرآن شفاء وانجيل شفاء وتورات شفاء.
لماذا يجب فهم القرآن والسنة وفق فهم السلف؟
لماذا من المهم أن يفهم المسلم القرآن والسنة وفق فهم السلف؟ ولماذا لا يمكننا أن نفسر القرآن والسنة بالقرآن والسنة فقط؟ وأكون شاكرًا لكم لو تفضلتم بمساعدتي على فهم هذه المسألة بصورة أعمق، فقد أثار أحد الأشخاص في نفسي مثل هذه التساؤلات، وأريد أن أكون ثابتًا على منهج السلف.