هل يجوز دراسة الكتب التي ليست في العقيدة لمؤلفين أشاعرة؟

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هل يجوز لنا دراسة الكتب التي ليست في العقيدة لمؤلفين أشاعرة، مثل كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي؟ وبصفة عامة، هل يجوز أن نتعلم من الأشاعرة فيما لا يتعلق بالعقيدة؟ وهل يجوز أن ندرس كتبهم في العقيدة بقصد الرد عليهم وبيان أخطائهم؟

ملخص الجواب:

يجوز الاستفادة من كتب الأشاعرة وغيرهم من أهل البدع في العلوم التي لا تتعلق ببدعتهم؛ كعلوم اللغة، والتفسير، والقراءات، والحديث، وأصول الفقه، ونحوها، مع الحذر مما قد تتضمنه من تأويلات باطلة أو أخطاء عقدية. لكن إذا وُجدت هذه العلوم في كتب أهل السنة، فلا يجوز العدول عنها إلى كتب أهل البدع، بل يجب تقديم كتب أهل السنة والأخذ عنها. وأما في الجامعات الأكاديمية، فقد يضطر الطالب إلى دراسة بعض هذه المقررات، فيقتصر على قدر الحاجة مع التحصن بعقيدة أهل السنة، والحذر من الشبهات. وأما حضور دروس أهل البدع العامة أو مجالسهم في المساجد فلا يجوز؛ لأنهم قد يخلطون الحق بالباطل، ويُدخلون الشبه في ثوب الحق، فيحرِّفون الكلم عن مواضعه، فيغتر بهم من لا يميز بين السنة والبدعة. أما كتبهم في العقيدة فلا يقرأها إلا من كان عنده علم وبصيرة، ويقرأها للرد عليهم وكشف شبهاتهم، أما المبتدئ أو من يخشى على نفسه فلا يجوز له تعريض نفسه للشبه.

الجواب:

أولًا: الأصل في قبول الحق ورد الباطل

من القرآن الكريم:

  • التوبة: ١١٩
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
  • الزمر: ١٧-١٨
    فَبَشِّرْ عِبَادِ ۝ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ

وقال النبي ﷺ: «الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها». ضعفه الألباني وهذا الحديث وإن لم يثبت مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن معناه صحيح، وذلك أن المؤمن لا يزال طالبا للحق حريصا عليه، ولا يمنعه من الأخذ به حيث لاح وجهه شيء، فكل من قال بالصواب أو تكلم بالحق قبل فالعبرة بموافقة الدليل، لا بمجرد اسم المؤلف. ثانيًا: هل يجوز دراسة كتب الأشاعرة في غير العقيدة؟ نعم يجوز دراسة كتب الأشاعرة وغيرها من كتب أهل البدع في غير مسائل العقيدة عند الحاجة، بشرط تحقق الضوابط الآتية: • ألا يوجد كتابٌ من كتب أهل السنة يغني عنه في ذلك الفن، فإن وُجد فلا يجوز العدول إلى كتب أهل البدع. • أن يكون الطالب مضطرًا إلى دراستها؛ كأن تكون مقررة في جامعة أو برنامج أكاديمي لا يمكن تجاوزه. • أن يكون المدرس سلفي العقيدة، يبين الحق ولا يقرر مذهب المؤلف. • أن يحذر المدرس من انحرافات الأشاعرة وأصولهم الفاسدة، ويبين مواضع الخطأ كلما مرت. • أن يكون القارئ أو الطالب متمكنًا في العقيدة أو يقرأ تحت إشراف من يميّز له الحق من الباطل، حتى لا تعلق به الشبه. • أن يقتصر على قدر الحاجة، فلا يتوسع في قراءة كتب أهل البدع مع وجود البديل من كتب أهل السنة. • ألا تكون الدراسة سببًا لتعظيم أهل البدع أو الترويج لكتبهم، وإنما تكون للاستفادة من العلم الذي لا يتعلق ببدعتهم مع رد باطلهم. فهذه الضوابط تجمع كلام أهل العلم في هذه المسألة، وأصلها أن كتب أهل السنة مقدمة على غيرها، ولا يُلجأ إلى كتب أهل البدع إلا عند الحاجة مع أمن الفتنة والتحذير من باطلهم. فمثلًا: كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي كتاب نافع في علوم القرآن، وقد انتفع به العلماء، مع التنبيه على ما قد يقع فيه من أخطاء في بعض المسائل العقدية أو في نقل بعض الروايات. ولهذا قال العلماء: يؤخذ الحق ممن جاء به، ويترك باطله. • ثالثًا: هل يجوز تعلم العلوم على أهل البدع؟ إذا كان التعليم في أمر لا يتعلق بالبدعة، وكانت هناك حاجة، ولم يكن في ذلك تأثير على العقيدة، فلا حرج مع شروط السابق.

من أقوال العلماء:

  • قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عندما سئل عن الدراسة على أهل البدع في غير العلوم الشرعية:
    "هذا لا بأس به... ولكن إذا رأيت منه دعوةً إلى بدعته فلا بد أن تخبر عنه... والطالب مضطر في المدارس النظامية."

• رابعًا: هل يجوز قراءة كتبهم في العقيدة للرد عليهم؟ يجوز لأهل العلم الذين عندهم بصيرة وتمكن، أما غيرهم فلا.

من أقوال العلماء:

  • قال الشيخ ابن باز رحمه الله:
    "من عنده قدرة ورجا أن ينفع الله به فإنه يقرأ ويرد... أما إذا كان علمه قليلًا ويخشى أن يفتتن بها فلا يقرأها، وإذا كان عنده علم وبصيرة ويستطيع الرد عليها وكشف الشبهة؛ فهذا من الجهاد في سبيل الله."
  • وقال أيضًا:
    "مراجعة أهل البدع... إذا راجعهم العالم ليرد عليهم ويبين باطلهم من كتبهم؛ فلا حرج."
  • وقال كذلك في قراءة كتب أهل الكتاب، وهو أصل عام في هذا الباب:
    "لا ينظر فيها إلا أهل العلم والبصيرة إذا دعت الحاجة إلى الرد عليهم."

خامسًا: ما موقف أهل السنة من كتب الأشاعرة؟ قرر أهل السنة أن كتب المبتدعة ليست سواء: فما كان فيها علم صحيح لا تعلق له ببدعتهم، فيجوز الانتفاع به مع الحذر. وما كان في العقيدة أو يشتمل على نشر البدعة، فلا يقرأه إلا من كان مؤهلًا للرد فقط. ولهذا كان أئمة أهل السنة ينقلون عن بعض المخالفين في اللغة والتاريخ والحديث، مع رد ما أخطؤوا فيه من مسائل الاعتقاد. النتيجة: الأصل أن كتب أهل السنة مقدمة، ولا يجوز العدول إلى كتب الأشاعرة وغيرهم من أهل البدع إذا وُجد من كتب أهل السنة ما يغني عنها. أما إذا احتيج إلى دراسة بعض كتبهم في فنون لا تتعلق بالعقيدة، فيجوز ذلك بقدر الحاجة مع توفر الضوابط الشرعية، ومنها: سلامة العقيدة، ووجود مدرس سلفي يبين أخطاء المؤلف ويحذر منها، وأمن الفتنة والشبه، وأن يكون ذلك للحاجة لا للتوسع أو التلقي عن أهل البدع. وأما حضور دروسهم العامة أو مجالسهم فلا يجوز؛ لما فيها من خطر نشر الشبه وتلبيس الحق بالباطل.

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة

فتاوى ذات صلة

منهجية وشروط دراسة الكتب الستة الحديثية

يقول السائل: ما هي الشروط المسبقة لطالب العلم ليبدأ في دراسة الكتب الستة الحديثية وغيرها مثل الموطأ، وهل ينبغي له أن يصل إلى مستوى معيَّن في علم الحديث، والنحو، والصرف، وأصول الفقه، وغيرها من العلوم قبل دراسة هذه الكتب؟

اقرأ الإجابة كاملة

كيف يجمع الشاب المسلم بين طلب العلم الشرعي والدراسة الجامعية والتجارة؟

ما نصيحتكم لشابٍّ يبلغ من العمر ستةَ عشرَ عامًا يسعى لطلب العلم الشرعي، وحفظ القرآن، وفي الوقت نفسه يدرس في الكلية ويفكّر في العمل أو التجارة؟

اقرأ الإجابة كاملة

هل يجوز لطالب العلم الانتفاع بكتب من عنده أخطاء في العقيدة أو المنهج؟

أحسن الله اليكم ما الضابط لطالب العلم في الانتفاع بكتاب لمؤلف عنده اخطاء في العقيدة او المنهج خاصة في كتب الفقه؟ وهل يشترط ان لا نأخذ العلم الا ممن هو واضح على منهج السلف ام يجوز الانتفاع مع الحذر والضوابط؟ مثال ذلك ابن رشد وكتابه بداية المجتهد وهو كتاب مشهور يدرس وينتفع به

اقرأ الإجابة كاملة

كيف يطلب المسلم العامل علم الفقه إذا لم يتيسر له التلقي المباشر عن شيخ؟

: أنا رجل أعمل ولدي مسؤوليات أسرية. أعمل في مكتب، ومع أن لدي بعض الوقت الفراغ أثناء اليوم، إلا أنني لا أستطيع السفر أو التفرغ لطلب العلم بدوام كامل. ومنَّ الله عليَّ بالهداية إلى المنهج السلفي منذ نحو سنتين. ولكن منذ ذلك الحين لم ألتقِ في منطقتي بأي شيخ سلفي، ولا حتى طالب علم سلفي، أتمكن من التلقي عنه مباشرة. وقد درست بعض المتون الأساسية في العقيدة، وأرغب الآن في أن أبدأ بدراسة الفقه دراسةً صحيحة، وأن أبني فيه أساسًا متينًا. ولدي رغبة شديدة في طلب العلم، لكنني كثيرًا ما أسمع العلماء يحذرون من طلب العلم دون شيخ. وفي الوقت نفسه، يصعب عليَّ في الوقت الحاضر أن أدرس على يد شيخ بسبب ظروف عملي وأحوالي المالية. فسؤالي هو: ما الذي ينبغي لمن كان في مثل حالي أن يفعله؟ وهل يجوز لي أن أواصل دراسة الفقه من خلال الكتب والدروس المسجلة، مع عدم تمكني من التلقي المباشر عن شيخ؟

اقرأ الإجابة كاملة

هل يُنصح بطلب العلم من الكتب بشكل مستقل، أم يقتصر ذلك على الاستماع إلى العلماء؟

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. .أود أن أسأل عن طلب العلم. هل تنصحون الطلاب بأن يقتصروا على طلب العلم من خلال الاستماع إلى العلماء ودروسهم، مثل الدروس الموجودة على اليوتيوب، أم أنه لا بأس أيضًا بقراءة الكتب مثل كتاب التوحيد مع شرح الشيخ عبد الرحمن السعدي، أو العقيدة الواسطية مع شرح شيخ الإسلام ابن تيمية، بمفردي؟ وإذا كانت القراءة المستقلة جائزة، فهل هناك شروط أو نصائح توجهونها لمن يسلك هذا الطريق؟ جزاكم الله خيرًا..

اقرأ الإجابة كاملة