ما حكم الوقوف للنشيد الوطني الكندي، ثم البقاء واقفًا بصمت أثناء صلاة النصارى في المدرسة عند عدم القدرة على المغادرة؟
السؤال: أردت أن أسألكم عن أمر يحدث كل صباح في مدرستي الثانوية الكاثوليكية. يُطلب منا أن نقف لأداء النشيد الوطني الكندي «، وبعد ذلك مباشرةً يُطلب منا أن نبقى واقفين أثناء أداء المسيحيين صلاتهم، حيث يقولون: «باسم الآب والابن والروح القدس»، ويتوجهون بالدعاء إلى عيسى عليه السلام. ولا يُسمح لنا في الحقيقة بالاعتذار عن المشاركة أو الانسحاب من هذا الموقف، بل يُطلب منا أن نبقى واقفين بصمت احترامًا لهم، حتى لو لم نردد شيئًا من كلمات صلاتهم. فما حكم الوقوف للنشيد الوطني ؟ وما حكم البقاء واقفًا أثناء صلاتهم في هذه الحالة، مع عدم ترديد أي من كلماتها، وعدم القدرة على الانسحاب منها؟
ملخص الجواب:
لا يجوز للمسلم أن يشارك في صلاة النصارى أو شعائرهم الدينية، لا بقول كلماتهم، ولا بفعلٍ يُعد مشاركةً في شعيرتهم. وأما مجرد بقائه واقفًا صامتًا بسبب إلزام المدرسة، مع إنكاره ذلك بقلبه وعدم ترديده شيئًا من صلاتهم وعدم قيامه بإشارة الصليب أو غيرها من شعائرهم، فإن كان مكرهًا حقيقةً ولا يستطيع التخلص، فهو معذور بقدر إكراهه، وعليه أن يسعى في إزالة هذا السبب. وأما الوقوف للنشيد الوطني، فقد أفتت اللجنة الدائمة برئاسة الشيخ ابن باز رحمه الله بعدم جواز القيام إعظامًا للسلام الوطني. اللجنة الدائمة فتوى رقم ( 2123 ): والأولى للسائل أن يبحث عن طريق لا يحضر به هذه المراسم أصلًا؛ كأن يستأذن في الحضور بعد انتهائها، أو يبقى في موضع آخر إن سمحت المدرسة بذلك. فإن أمكنه -دون مفسدة معتبرة- أن يأتي إلى المدرسة بعد انتهاء هذه المراسم، فهذا حل حسن، ولا يبقى حينئذ محتاجًا إلى الوقوف معهم.
الجواب:
أولًا: حكم الوقوف للنشيد الوطني
الوقوف للنشيد الوطني على وجه التعظيم والاحترام الرسمي قد منعه جماعة من أهل العلم.
من أقوال العلماء:
- وقد سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
«هل يجوز الوقوف تعظيمًا لأي سلام وطني أو علم وطني؟» فأجابت بأنه لا يجوز للمسلم القيام إعظامًا لأي علم وطني أو سلام وطني، وذكرت أن فيه مشابهةً لغير المسلمين في هذه المراسم.
وكانت الفتوى برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز وعضوية الشيخ عبد الرزاق عفيفي والشيخ عبد الله بن غديان والشيخ عبد الله بن قعود. اللجنة الدائمة فتوى رقم ( 2123 )
من السنة النبوية:
- رواه أبو داود ، وحسنه وصححه الشيخ الألباني.ويؤيد أصل النهي عن التشبه من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ:
«مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ».
لكن ينبغي التنبيه إلى أن مسألة الوقوف للنشيد أخف من مسألة الصلاة النصرانية الآتية؛ لأن الصلاة المذكورة شعيرة دينية مشتملة على ألفاظ عقدية مخالفة للتوحيد.
ثانيًا: البقاء واقفًا أثناء صلاة النصارى قولهم: «باسم الآب والابن والروح القدس» ودعاؤهم عيسى عليه السلام من شعائر دين النصارى المخالفة لتوحيد الله تعالى؛ فلا يجوز للمسلم أن يردد هذه الكلمات، ولا أن يدعو عيسى عليه السلام، ولا أن يرسم إشارة الصليب، ولا أن يؤدي شيئًا من شعائر صلاتهم.
من القرآن الكريم:
- الكافرون: ٦
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
- الجن:١٨
وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا
- الفرقان: ٧٢
وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ
وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن جماعة من السلف تفسير «الزور» بأعياد المشركين، ونقل عن عمرو بن مُرَّة: أنهم «لا يمالئون أهل الشرك على شركهم ولا يخالطونهم». تفسير ابن أبي حاتم – تفسير قوله تعالى: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ برقم ١٥٤٥٣: كما قرر أن مجرد شهود شعائرهم ليس كفعلها والمشاركة فيها، وأن المشاركة أشد.
من أقوال العلماء:
- كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في شهود شعائر المشركين والتشبه بهم
فإذا كان الطالب يستطيع أن ينصرف قبل بدء الصلاة، أو يدخل بعد انتهائها، أو ينتظر في مكان آخر، وجب عليه أن يفعل ما يستطيع للخروج من حضور هذه الشعيرة.
ثالثًا: ماذا يفعل إذا كانت المدرسة تجبره على البقاء؟ إذا لم تسمح المدرسة له بالخروج، وكان يخشى عقوبة حقيقية لا يستطيع دفعها، فليبق صامتًا منكرًا ذلك بقلبه، ولا يردد شيئًا من الصلاة، ولا يؤمِّن عليها، ولا يرسم الصليب، ولا يأتي بأي حركة خاصة بصلاتهم.
من القرآن الكريم:
- التغابن:١٦
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
من السنة النبوية:
- رواه البخاري ومسلموقد جاء عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ:
«وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ».
والإكراه معتبر في الشريعة، قال تعالى:
من القرآن الكريم:
- النحل: ١٠٦
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ
من أقوال العلماء:
- وقد بيّن الشيخ ابن باز رحمه الله: في فتوى: حكم من أُكره على فعل محرم
أن من أُكره إكراهًا معتبرًا على قول أو فعل محرم، مع طمأنينة قلبه بالإيمان وإنكاره للباطل، فإنه معذور بقدر الإكراه. لكن مجرد الحرج أو الخجل من مخالفة الطلاب لا يُجعل إكراهًا شرعيًا؛ بل يجب يبذل المسلم ما يستطيع في الاعتذار والتخلص من المشاركة من هذا الشرك .
رابعًا: حل عملي للسائل أنصح السائل أن يتحدث هو أو ولي أمره مع إدارة المدرسة بوضوح وأدب، ويطلب إعفاءه من الوقوف في الصلاة المسيحية لأسباب دينية، وأن يُسمح له بالانتظار خارج المكان أو الدخول بعد انتهائها. وإن كان يستطيع الحضور إلى المدرسة بعد انتهاء النشيد والصلاة الصباحية دون أن يترتب عليه ضرر معتبر أو مخالفة لا يستطيع تحملها، فهذا من أحسن الحلول؛ لأنه يخرج من الإشكال من أصله. فلا ينبغي أن يبقى حاضرًا لهذه المراسم ثم يحتج بأنه مضطر إليها، مع وجود طريق سهل ومتاح لتجنبها. خامسًا: الدراسة أصلًا في مدرسة كاثوليكية وهنا تنبيه مهم؛ فقد ذكر السائل أنه يدرس في مدرسة ثانوية كاثوليكية. وهذه البيئة ينبغي الحذر منها؛ لأنها قد تشتمل على شعائر دينية نصرانية وتعليم لعقائدهم، فضلًا عن سائر المحاذير الموجودة في بعض البيئات المدرسية. فإن كانت المدرسة تُلزمه بدراسة العقيدة النصرانية، أو حضور دروسها وشعائرها الدينية، فالأمر أشد خطورة؛ لما في ذلك من تعريض عقيدة المسلم للفتنة وسماع الباطل والشرك. فلا يجوز له البقاء في مثل هذه المدرسة مع وجود القدرة على الانتقال، بل يجب عليه وعلى ولي أمره أن يسعيا جادَّين في نقله إلى مدرسة أخرى أبعد عن هذه المحاذير وأحفظ لدينه وعقيدته. وكذلك ينبغي مراعاة ما في المدارس المختلطة من الفتن، ولا سيما مع التبرج واللباس غير المحتشم؛ فالمسلم مأمور بغض البصر وحفظ دينه،
من القرآن الكريم:
- النور: ٣٠
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾
فإن لم توجد مدرسة خالية من المحاذير، فيُبحث عن أخفها ضررًا وأبعدها عن الفتنة والتأثير على العقيدة؛ فليس المقصود الانتقال من مفسدة إلى مثلها أو أشد منها، وإنما تقليل الشر بقدر الاستطاعة.
النتيجة: الوقوف تعظيمًا للنشيد الوطني: لا يجوز على ما أفتت به اللجنة الدائمة برئاسة الشيخ ابن باز رحمه الله. المشاركة في الصلاة النصرانية: أشد تحريمًا، فلا يجوز ترديد كلماتها، ولا الدعاء مع أهلها، ولا إشارة الصليب، ولا شيء من شعائرها. من أُلزم بالبقاء واقفًا أثناء صلاتهم، وعجز حقيقةً عن الانصراف أو دفع ذلك، فلا يجوز له أن يشاركهم في شيء من أقوالهم أو أفعالهم وشعائرهم، بل يبقى منكرًا لذلك بقلبه، ولا يردد شيئًا من صلاتهم، ولا يأتي بشيء من خصائص عبادتهم، ويكون حكمه بقدر ما تحقق عليه من الإكراه والعجز. لكن لا ينبغي للسائل أن يتوسع في دعوى الإكراه ما دام يستطيع التخلص من هذا الأمر بطريق مباح. فإن أمكنه طلب الإعفاء، أو عدم حضور هذه المراسم، أو الحضور إلى المدرسة بعد انتهائها، وجب عليه أن يسلك ما يستطيع من ذلك. فإن كانت المدرسة تُلزمه فعلًا بحضور الصلاة والشعائر النصرانية، وترفض إعفاءه منها، فلا ينبغي له أن يستمر في تعريض دينه وعقيدته لهذه الفتنة، بل عليه وعلى ولي أمره أن يبادرَا إلى البحث عن مدرسة أخرى لا تفرض عليه هذه الشعائر. فإن تعذر وجود مدرسة مناسبة، فليبحث عن بديل مباح من الدراسة المنزلية أو غيرها من وسائل التعليم المتاحة؛ إذ لا يصح أن يجعل تحصيل الدراسة الدنيوية ذريعةً للاستمرار في بيئة تُلزمه بحضور شعائر دينية مخالفة للإسلام. وعقيدة المسلم وتوحيده هما رأس ماله وأعظم ما يجب عليه حفظه، ولا تعادل سلامتهما شهادةٌ دراسية ولا مصلحة دنيوية. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. فعلى السائل أن يأخذ هذا الأمر بجد، وأن يحرص على تقوية إيمانه وتعلم التوحيد والعقيدة الصحيحة، وأن يبتعد قدر استطاعته عن مواطن الشبهات والفتن والشعائر المخالفة للإسلام. ومن استطاع أن يحفظ دينه بالانتقال إلى بيئة تعليمية أسلم ثم ترك ذلك من غير حاجة معتبرة، فلا ينبغي له أن يحتج بعد ذلك بأنه مضطر إلى حضور تلك الشعائر؛ لأن الواجب أن يبذل ما في وسعه أولًا في إزالة سبب الفتنة وحفظ دينه وعقيدته. والحل الأقوى: أن يطلب إعفاءً رسميًا، أو يدخل بعد انتهاء هذه المراسم إن أمكن بلا مفسدة معتبرة. وإذا استمرت المدرسة في إلزامه بالشعائر النصرانية أو دراسة عقيدتهم، فليبحث هو وولي أمره جديًا عن مدرسة أخرى أخف ضررًا وأحفظ لدينه وعقيدته.
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلةفتاوى ذات صلة
حكم الألعاب الإلكترونية التي تحتوي على عناصر من الشرك والكفر
ما حكم الألعاب الإلكترونية التي تحتوي على عناصر من الشرك والكفر مثل التماثيل أو الآلهة، لكن الشخص لا يعتقد بها؟
توضيح مسألة العُذر بالجهل في الشرك الأكبر
توجد أقوالٌ قد يظهر بينها تعارُضٌ في مسألة العُذر بالجهل في الكفر. فقد قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله ما معناه: إنَّ من يقول: «أنا لا أُكَفِّر هؤلاء، ولا أُكَفِّر من يعبد الحسن أو الحسين أو البدوي، ولا أُكَفِّرهم لأنهم يقولون لا إله إلا الله، وهم إخواننا، ولكنهم أخطؤوا» — يُقال له: أنتَ مشركٌ مثلهم؛ لأنك لم تُكَفِّر بما عُبد من دون الله. وفي المقابل، نجد أن الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يُقِرُّ بوضوح العُذر بالجهل. فما هو القول الصحيح في هذه المسألة؟ وماذا يقصد الشيخ الفوزان بكلامه على وجه الدقة؟ أنا شخصٌ عاميّ، وقد اخترتُ قول الشيخ ابن عثيمين، فهل أنا مصيب أم مخطئ؟ والله إني أشعر بالخوف والحيرة بسبب هذه المسألة. أرجو التوضيح
هل طلب الشفاعة من النبي ﷺ بعد وفاته يُعد شركًا؟
إذا طلب شخص من النبي محمد ﷺ بعد وفاته فقال: "يا نبي الله اشفع لي يوم القيامة"، وهو يقول ذلك في الدنيا لأمر يتعلق بالآخرة، فهل هذا شرك أم لا؟ نرجو التوضيح