هل يبرر الخوف من الفتنة السعي لفصل زميلة في العمل؟

السؤال: أنا رجل، وفي مكان عملي توجد زميلة ترتدي في كثير من الأحيان ملابس كاشفة وتتصرف بطريقة تُحدث فتنة للرجال. وبعد أن فازت بجائزة للموظفين، أخبرتُ مديرها على انفراد بأنها طلبت من الناس التصويت لها، وأوحيتُ بأنها لم تستحق الفوز بالجائزة. لكن نيتي الحقيقية كانت أن أوقع العداوة بينهما حتى يضغط عليها المدير، أو يفصلها من العمل، أو يتسبب في مغادرتها. والآن أخشى أنني قد ارتكبتُ النميمة، والغيبة، والخداع، والظلم، مع أن دافعي كان إزالة الفتنة. فهل ما فعلته كان حرامًا؟ وهل يبرر الخوف من الفتنة مثل هذا التصرف؟ وكيف تكون التوبة الصحيحة وتصحيح ما ترتب على فعلي؟ وهل يجب عليَّ أن أخبر المدير بأن كلامي كان غير منصف، وأنني لا أعلم في الحقيقة هل فازت بالجائزة عن استحقاق أم لا؟

ملخص الجواب:

الذي فعله السائل لا يجوز إذا كان قد تعمد الإضرار بزميلته وإفساد العلاقة بينها وبين مديرها، وأوهم المدير أنها لا تستحق الجائزة دون علم أو بينة، بقصد أن تُفصل أو تُؤذى. فهذا قد يجتمع فيه: الغيبة، والنميمة، والبهتان إن كان الكلام غير صحيح، والخداع، والظلم، ولا يبرر ذلك مجرد الرغبة في إزالة الفتنة؛ لأن الشريعة أمرت بدفع المنكر بالوسائل المشروعة، لا بالظلم والكذب والإفساد. أما التوبة فتكون بالإقلاع عن الذنب، والندم، والعزم على عدم العود، وإزالة ما أمكن من آثار الظلم. فإن ترتب على كلامه ضرر حقيقي بها، وجب عليه السعي في رفعه بالطريقة التي لا تجر مفسدة أكبر.

الجواب:

أولًا: الخوف من الفتنة لا يبيح الظلم

إذا كانت المرأة متبرجة أو متساهلة في لباسها، فهذا منكر يجب إنكاره بالطرق الشرعية، كغض البصر، ونصحها بالحكمة إن أمكن، أو رفع الأمر إلى الإدارة إذا كان متعلقًا بمخالفة نظام العمل أو الآداب العامة، لا باختلاق أسباب لإيقاعها في الظلم أو الفصل.

من القرآن الكريم:

  • المائدة: ٨
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ... وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى

    فالعداوة أو النفرة من المعصية لا تسوغ ترك العدل.

ثانيًا: ما وقع فيه السائل إن كان قد قال للمدير إنها لا تستحق الجائزة، أو أوحى بذلك من غير علم، وكان قصده أن يفسد العلاقة بينها وبين مديرها، فهذا يدخل في عدة محرمات: ١- الغيبة طبعاً إذا كان مسلماً.

من القرآن الكريم:

  • الحجرات:١٢
    وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا

من السنة النبوية:

  • وقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ:
    «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ».

٢- البهتان فإن كان لا يعلم أنها لا تستحق الجائزة، أو أوهم المدير بذلك بغير حق,

من السنة النبوية:

  • رواه مسلم.فقد قال النبي ﷺ:
    « إن كانَ في أخي ما أقولُ؟ قال: إن كانَ فيه ما تَقولُ فقدِ اغتَبتَه، وإن لَم يَكُنْ فيه فقد بَهَتَّه. ».

٣- النميمة والإفساد إذا كان قصده إفساد العلاقة بينهما، فهذا من جنس النميمة والإفساد بين الناس.

من السنة النبوية:

  • جاء في الصحيحينمن حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ:
    « لا يَدخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ ». (متفق عليه.)

من القرآن الكريم:

  • القلم:١٠-١١
    وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ۝ هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ

ثالثًا: هل تبرر إزالة الفتنة هذا الفعل؟ الجواب: لا. فالشريعة لم ترخص في الكذب إلا في مواضع مخصوصة، منها الإصلاح بين الناس، لا الإفساد بينهم.

من السنة النبوية:

  • جاء في الصحيحين من حديث أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها أنَّها سَمِعَت رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ:
    « ليس الكَذَّابُ الذي يُصلِحُ بينَ النَّاسِ، فيَنمي خَيرًا، أو يقولُ خَيرًا ».

    أما أن يكذب أو يوهم أو ينقل الكلام بقصد إيقاع العداوة، فهذا من المحرمات.

رابعًا: كيف يتوب؟ التوبة الصحيحة لها أربعة أمور: الإقلاع عن الذنب. الندم على ما مضى. العزم على عدم العودة. رد الحقوق إذا ترتب على الذنب ظلم للناس. فإن تسبب كلامه في ضرر عليها، وجب عليه أن يسعى في إزالة هذا الضرر بقدر استطاعته. خامسًا: هل يجب أن يخبر المدير؟ إن كان كلامه أدى إلى ظلمها أو نقص حقها أو تشويه صورتها عند المدير، فالواجب إزالة هذا الظلم. فيمكنه أن يقول للمدير مثلًا: "لقد تكلمت سابقًا بكلام لم يكن منصفًا، ولا أملك دليلًا على أنها لم تستحق الجائزة، ولا ينبغي أن يُبنى الحكم عليها بسبب كلامي." ولا يلزم أن يذكر جميع تفاصيل نيته، وإنما الواجب أن يرفع أثر الظلم بقدر الإمكان. أما إذا كان إخباره سيؤدي إلى مفسدة أعظم، فيجتهد في إزالة الأثر بطريقة أخرى، ويكثر من الدعاء والاستغفار لها.

من أقوال العلماء:

  • الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله
    التحذير من الغيبة والنميمة قال: "الغيبة والنميمة كبيرتان من كبائر الذنوب، فالواجب الحذر منهما."
  • الشيخ ابن باز رحمه الله في التوبة من الغيبة
    شروط التوبة من الغيبة قال: "إذا لم يتيسر استحلاله؛ خوفًا من الفتنة، فإنه يدعو له، ويستغفر له، ويذكره بالخير في المجالس التي اغتابه فيها."
  • الشيخ ابن باز رحمه الله:
    حكم الحلف كذبًا للإصلاح بين الناس في بيان الفرق بين الإصلاح والإفساد، وأن الرخصة في الكذب إنما هي للإصلاح بين الناس لا للإضرار بأحد.

النتيجة: ما فعله السائل لا يجوز، ولا يبرره الخوف من الفتنة. إذا كان تعمد إفساد العلاقة بين الموظفة ومديرها، فقد وقع في إثم بحسب ما صدر منه من غيبة أو نميمة أو بهتان أو ظلم. يجب عليه التوبة النصوح، والسعي في إزالة ما ترتب على كلامه من ظلم. وإذا كان المدير قد تأثر بكلامه أو بُني عليه حكم غير عادل، فالواجب تصحيح ذلك بقدر الاستطاعة، مع مراعاة أن يكون الإصلاح بطريقة لا تفضي إلى مفسدة أكبر.

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة

فتاوى ذات صلة

حكم العمل خارج الحرم الجامعي بتأشيرة طالب

يأتي شخص إلى دولة بتأشيرة طالب، ولا يُسمح له بالعمل إلا داخل الحرم الجامعي أو في برامج التدريب العملي، وقد حاول العثور على وظائف داخل الحرم الجامعي لكنها كانت إما مشغولة مسبقًا أو تحتوي على أمور محرّمة، وهو في حاجة شديدة إلى دخل. وبعد أن استنفد جميع خياراته، قبل عرض عمل من صديق له بأجر نقدي (خارج الحرم الجامعي)، ولا يحتوي هذا العمل على أي محرمات. فهل يجوز له العمل في هذا المكان؟ أم يجب عليه ترك الوظيفة؟ علمًا أنه لا يزال يبحث بنشاط عن وظائف داخل الحرم الجامعي رغم قبوله بهذا العرض. وما هو الدليل الشرعي للحكم في كلتا الحالتين؟

اقرأ الإجابة كاملة

حكم العمل في المبيعات أو الإدارة في نادٍ رياضي نسائي

يجوز العمل في المبيعات أو الإدارة في نادٍ رياضي مخصص للنساء فقط إذا كانت الاشتراكات تتضمن أحيانًا رسوم إلغاء أو تأخير، ولكنها لا تشمل تمويلًا قائمًا على الفوائد؟

اقرأ الإجابة كاملة

هل يجوز للمرأة دعوة الرجال غير المحارم إلى الله؟

هل يجوز للمرأة أن تدعو الرجال غير المحارم إلى الله؟ هناك يوتيوبر مسلمة ذكرت أن ذلك جائز، واستدلت بـ الفتاوى الجامعة للمرأة المسلمة، صفحة ١٠ ١٠.

اقرأ الإجابة كاملة

هل يجوز الاستماع إلى القرآن أثناء العمل لتجنب التوسع في الحديث مع الزبائن من الرجال؟

أنا أعمل في مكان يأتي إليه الرجال للتسوّق، وأحيانًا أجد نفسي أطيل الحديث معهم، وأسأل الله أن يغفر لنا جميعًا. وقد فكرت في أن أضع سماعات الأذن وأستمع إلى القرآن أثناء فترة عملي؛ ليكون ذلك تذكيرًا لي، لكن عندما يدخل الزبائن قد لا أتمكن من إيقاف تشغيل القرآن. فهل يجوز لي فعل ذلك، مع علمي أننا مأمورون بالإنصات للقرآن عند تلاوته؟ وإذا كان هذا لا يجوز، فما النصائح أو الوسائل التي تنصحون بها حتى لا أنشغل أو أتوسع في الحديث مع الزبائن؟

اقرأ الإجابة كاملة