ما حكم دفع مبلغ كبير مسترد لصاحب العقار مقابل تخفيض الإيجار الشهري، مع إعادة المبلغ كاملًا عند انتهاء العقد؟

السؤال: في مدينتنا الواقعة في جنوب الهند يوجد نظام يُسمّى *نظام الإيجار بالتأمين/المبلغ المقدم ، حيث يدفع المستأجر لمالك العقار مبلغًا كبيرًا قابلًا للاسترداد، على سبيل المثال *,1,000,000 روبية هندية**، وفي المقابل يسكن المستأجر في المنزل لمدة **5 إلى 10 سنوات**. كما يدفع المستأجر إيجارًا شهريًا ثابتًا ومبلغًا قليلًا، مثل 2000 روبية**، مع أن الإيجار المعتاد لمثل هذا المنزل قد يكون حوالي *10,000 روبية شهريًا. وفي نهاية مدة العقد، يعيد المالك مبلغ الـ *1,000,000 لاك روبية** كاملًا إلى المستأجر.فهل هذا النوع من التعامل جائز في الشريعة الإسلامية، أم أنه يتضمن الربا أو أي محذور شرعي آخر؟

ملخص الجواب:

الصورة المذكورة لا تجوز شرعًا إذا كان المبلغ الكبير — كالمليون روبية — يُرَدُّ كاملًا إلى المستأجر في نهاية العقد، وكان دفعه سببًا في تخفيض الأجرة الشهرية من أجرة المثل، كأن تكون الأجرة المعتادة 10,000 روبية فيدفع 2,000 فقط. وذلك لأن المبلغ المسترد في حقيقته قرض من المستأجر لمالك العقار، وقد حصل المستأجر بسبب هذا القرض على منفعة مشروطة، وهي تخفيض الأجرة، فيكون من القرض الذي جر نفعًا للمقرض، وهو من الربا المحرم. وقد صدرت فتاوى في صور تكاد تطابق هذه المسألة بعينها.

الجواب:

أولًا: تصوير المعاملة

المعاملة المذكورة تشتمل على أمرين:

يدفع المستأجر مثلًا 1,000,000 روبية إلى صاحب البيت، ثم يسترد هذا المبلغ كاملًا بعد خمس أو عشر سنوات، وفي مقابل ذلك يؤجره المالك البيت بأجرة منخفضة جدًا، كـ 2,000 روبية شهريًا بدلًا من 10,000 روبية.

فالمليون روبية هنا ليس أجرةً حقيقية؛ لأنه سيرجع كاملًا إلى المستأجر، وإنما حقيقته قرض ينتفع به صاحب العقار مدة العقد.

وفي المقابل حصل المقرض — وهو المستأجر — على منفعة بسبب قرضه، وهي السكن بأقل من أجرة المثل.

وهذه هي علة التحريم.

ثانيًا: الدليل من القرآن

من القرآن الكريم:

  • البقرة: ٢٧٥
    وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا

    الآية من سورة البقرة مع التفسير فالأصل في الإجارة الحل، لكن إذا اقترنت بقرض يحصل المقرض بسببه على منفعة مشروطة، انتقلت المعاملة إلى باب الربا.

ثالثًا: الدليل من السنة

من السنة النبوية:

  • رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح وصححه الألباني.عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال:
    «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ».

    ووجه الدلالة: أن الشارع منع الجمع بين القرض والمعاوضة إذا أدى ذلك إلى أن ينتفع المقرض من قرضه؛ لأن القرض حينئذٍ لم يعد قرض إحسان، بل صار وسيلة إلى أخذ منفعة في مقابله.

  • رواه مسلم.وقد جاء الوعيد الشديد في الربا؛ فعن جابر رضي الله عنه قال:
    «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ».

رابعًا: وحديث: «كلُّ قرضٍ جرَّ منفعةً فهو ربا» ضعَّفه الشيخ الألباني، غير أنَّ معناه قاعدةٌ فقهيةٌ معتبرةٌ عند أهل العلم، دلَّت عليها الأدلة الشرعية، ويُعمل بمقتضاها في باب القرض. وهذه العبارة لا تصح حديثًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ بهذا اللفظ ، لكن معناه صحيح فيما إذا كانت المنفعة مشروطة أو متواطأ عليها، ونقل إجماع العلماء على تحريم القرض الذي يتضمن شرط منفعة زائدة للمقرض.

من أقوال العلماء:

  • فتوى الشيخ ابن باز في حديث «كل قرض جر نفعًا فهو ربا»
    الجواب: لا يجوز هذا القرض؛ لكونه يتضمن اشتراط قرض مثله للمقرض، وذلك يتضمن عقدًا في عقد؛ فهو في حكم بيعتين في بيعة، ولأنه يشترط فيه منفعة زائدة على مجرد القرض؛ وهي أن يقرضه مثله، وقد أجمع العلماء: على أن كل قرض يتضمن شرط منفعة زائدة أو تواطؤًا عليها فهو ربًا.

خامسًا: كلام أهل العلم في هذه الصورة بعينها

من أقوال العلماء:

  • قال المازري في شرح التلقين:
    وأما إن كان اشتراط المنفعة في عقد قرض، فإن ذلك لا يجوز بغير خلاف، قولًا على الإطلاق.
  • وقال ابن قدامة رحمه الله:
    وكل قرض شرط فيه أن يزيده، فهو حرام، بغير خلاف.
  • قال ابن المنذر رحمه الله :
    أجمعوا على أن المُسلف إذا شرط على المستلف زيادة، أو هدية، فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة على ذلك ربا
  • ونقل عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال:
    أكره قرض الدور، وهو الربا المحض.
  • والشيخ ابن باز رحمه الله ذكر
    أن كل قرض يتضمن شرط منفعة زائدة للمقرض أو تواطؤًا عليها فهو ربا.
  • وقد سُئل أهل العلم عن صورة مطابقة تقريبًا للسؤال: في فتوى: مبلغ مقدم مسترد مقابل تخفيض الأجرة الشهرية
    يدفع المستأجر مبلغًا مقدمًا يُعاد إليه في نهاية العقد، ويخفض له المؤجر الأجرة بسبب ذلك، فكان الجواب: «حقيقة هذه المعاملة أنها قائمة على عقد إجارة مع قرض... والمؤجر يخفض للمستأجر من قيمة الأجرة مقابل هذا القرض... فهذا العقد بهذه الصورة محرم لا يجوز الدخول فيه».
  • وجاء في فتوى فتوى في دفع مبلغ مسترد مقابل أجرة زهيدة
    أخرى في صورة: دفع مبلغ لصاحب المنزل ثم استرداده، مقابل السكن بأجرة زهيدة، أن هذا المبلغ ليس رهنًا وإنما قرض، وأن تخفيض الأجرة منفعة حصل عليها المقرض بسبب قرضه.
  • فتوى في السكن بأجرة زهيدة مقابل مبلغ مسترد
    بل ورد سؤال قريب جدًا: يُدفع مبلغ كبير مقابل السكن مدة معينة، ثم يعاد المبلغ نفسه مع دفع إيجار زهيد، فأجيب بأن ذلك من القرض الذي جر نفعًا؛ لأن المقرض انتفع بالسكن بأقل من أجرة المثل.

سادسًا: كيف تكون المعاملة جائزة؟ الجائز أن تكون الإجارة مستقلة عن القرض؛ فيتفق الطرفان على أجرة معلومة للبيت، ولا يكون تخفيض الأجرة مشروطًا بإقراض المالك مبلغًا ينتفع به ثم يعيده. أما التأمين الحقيقي الذي يؤخذ لضمان التلف أو الضرر ثم يعاد عند عدم وجود ما يوجب الخصم منه، ولا ينتفع المالك به انتفاع القرض، فهذه صورة أخرى تختلف عن الصورة الواردة في السؤال. فالعبرة بحقيقة العقد لا باسمه؛ وتسميته «تأمينًا» أو «مبلغًا مقدمًا» لا تغير الحكم إذا كانت حقيقته: يدفع المستأجر مالًا للمالك ينتفع به سنوات ثم يرده، ويحصل المستأجر مقابل ذلك على تخفيض في الأجرة. النتيجة: لا يجوز نظام الإيجار المذكور في السؤال بهذه الصورة؛ لأن المبلغ الكبير المسترد كاملًا في نهاية المدة حقيقته قرض من المستأجر إلى المالك، وتخفيض الأجرة من نحو 10,000 روبية إلى 2,000 روبية منفعة مشروطة للمستأجر بسبب هذا القرض؛ فيدخل في القرض الذي جر نفعًا للمقرض، وهو من الربا المحرم. أما إذا كان المبلغ المدفوع أجرةً حقيقية غير مستردة، أو كان هناك تأمين حقيقي مستقل لا ينتفع به المالك انتفاع القرض ولا يترتب عليه تخفيض الأجرة، فهذه صورة أخرى، ولها حكمها بحسب تفاصيل العقد.

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة

فتاوى ذات صلة

الشرعي في شراء منزل عن طريق قرض الرهن العقاري

هل يُعتبر دفع فوائد الرهن العقاري لشراء منزل رِباً؟ وماذا نفعل إذا لم نكن نعلم بذلك منذ سنوات طويلة، وكان من الصعب علينا الانتقال الآن؟

اقرأ الإجابة كاملة

حكم الانتفاع بالمبلغ المُسترد من منحة وقرض طلابي ربوي مختلطين

يسأل السائل: أُجبرت من قِبل والدي على أخذ قرضٍ طلابي ربوي. وقد حصلنا على مِنَحٍ لا يترتب عليها فوائد، بالإضافة إلى القرض الربوي. واستخدمنا هذه الأموال في دفع الرسوم الدراسية للكلية. والآن بقي في حساب الكلية مبلغ زائد يزيد على 2000 دولار من أموال القرض والمنحة، وتم إرجاع هذا المبلغ إليّ. لكنني لا أستطيع التمييز بين ما هو من أموال المنحة (الخالية من الفوائد) وما هو من أموال القرض الربوي. فهل يجوز لي الانتفاع بهذا المال؟ وهل يجوز لي استخدامه عمومًا، أو استعماله في سداد دَينٍ عليَّ حاليًا؟

اقرأ الإجابة كاملة

ما حكم التوقيع على عقد قرض طلابي يتضمن فوائد عند التأخر في السداد؟

هل يجوز للطالب أن يوقّع على عقد ينص على وجود فائدة على القرض إذا لم يقم بسداد القرض في الوقت المحدد؟ مع أنه يستطيع تجنب هذه الفائدة إذا سدد في الوقت المحدد، ولكن الفائدة تُفرض عليه إذا تأخر في السداد. وهذا يشبه بطاقة الائتمان؛ فإذا سدد المبلغ الذي اقترضه في الوقت المحدد فلا تُفرض عليه أي فائدة

اقرأ الإجابة كاملة

ما حكم التبرع بالفوائد الربوية التي وصلت إلى الشخص بغير قصد؟

حصلتُ على فوائد من البنك عن طريق نوعٍ من حسابات الادخار دون قصد مني، وبعد أن علمت بذلك لا أريد أن أنتفع من هذا المال. فهل يجوز لي أن أتصدق بهذا المبلغ على المحتاجين أو أن أعطيه لإخوتي أو لوالديَّ؟ وهل هذا جائز؟

اقرأ الإجابة كاملة

ما حكم دفع رسوم التسجيل في خطة سداد الأقساط الخالية من الربا؟

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كيف حالكم شيخنا الفاضل؟ وفقكم الله وبارك فيكم. لدي سؤال: في جامعتي يمكننا التسجيل في خطة سداد للأقساط دون أي فوائد ربوية. ولكن عند التسجيل في هذه الخطة يُطلب منا دفع *رسوم تسجيل* قدرها *30 دولارًا*. فهل تُعد هذه الرسوم من الربا، أم أنها مجرد رسوم إدارية لا حرج فيها؟

اقرأ الإجابة كاملة