هل يجوز للوالدين إجبار الفتاة على الزواج ممن لا تريده، أم لا بد من رضاها؟

السؤال: هل جعل الإسلام زواج الأبناء والبنات واجبًا (فرضًا) على الوالدين، أم أنه من السنن؟ كثير من الآباء والأمهات يقولون إن البنات ليس لهن الحق في إبداء الرأي في أي شيء يتعلق بزواجهن، وأن الوالدين وحدهما لهما الحق في اتخاذ القرار، لأن الأبناء لا يعرفون مصلحتهم، ولأن الوالدين دائمًا يريدون الأفضل لهم. فهل يجوز للأبناء أن يخالفوا والديهم ويحاولوا إقناعهم بأن يسألوا أبناءهم، وخاصة البنات: هل تريدين الزواج أصلًا أم لا؟ وإذا كنتِ تريدين الزواج، فهل الشخص الذي اخترناه لكِ مناسب ومقبول بالنسبة لكِ أم لا؟ أم يجب على البنات فقط أن يطعْن والديهن وألا يفعلن شيئًا سوى البكاء؟ ماذا يقول الله تعالى والسنة النبوية في هذا الأمر؟

ملخص الجواب:

ليس للوالدين أن يُجبرا الابن أو البنت البالغين على الزواج، ولا أن يختارا للابنة زوجًا ثم يُلزماها به وهي كارهة. بل رضا الزوجين معتبر شرعًا، وقد أمر النبي ﷺ باستئذان البكر واستئمار الثيب. قال الشيخ ابن باز: في فتوى إجبار الولي البكر والثيب على الزواج «ليس للرجل أن يجبر ابنته البكر أو الثيب على الزواج». وأما قيام الأب بتكاليف زواج أولاده: فإذا احتاج الولد أو البنت إلى الزواج، وكان عاجزًا عن تكاليفه، وكان الأب قادرًا، فإن تزويجه يدخل عند طائفة من أهل العلم -وهو المذهب عند الحنابلة- في النفقة الواجبة، وليس مجرد سنة أو تبرع. لكن هذا لا يعني أن الأب يملك اختيار الزوج أو الزوجة قهرًا؛ فهناك فرق بين واجب الإعانة على الزواج عند الحاجة وبين حق الشخص في قبول من سيتزوجه أو رفضه.

الجواب:

أولًا: هل للمرأة حق أن تقول: أريد هذا الزوج أو لا أريده؟

نعم، وهذا حق ثابت لها بالسنة الصحيحة.

من السنة النبوية:

  • وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال النبي ﷺ:
    «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: «أَنْ تَسْكُتَ».

    معنى « تُسْتَأْمَرَ »: يُطلب رأيها وموافقتها. ومعنى « تُسْتَأْذَنَ »: لا يُعقد عليها حتى يؤخذ إذنها. فهذا الحديث وحده يرد على قول من يقول: «ليس للبنت رأي في زواجها، وإنما القرار كله لأبيها وأمها». بل الولي له شأن عظيم في الزواج، وينظر في مصلحتها ويبحث عن الرجل الصالح، ولكن لا يلغي رضاها.

ثانيًا: ماذا لو اختار الأب رجلًا صالحًا جدًا، ولكن ابنته لا تريده؟ لا يجوز إجبارها عليه، ولو كان الرجل صالحًا.

من أقوال العلماء:

  • قال الشيخ ابن باز رحمه الله:
    «ليس للولي أن يجبر المرأة على التزوج، ولو بأكمل الناس، ليس له إجبارها، بل هي لها الخيار».
  • وقال أيضًا:
    «إن أبت وقالت: لا أريد هذا الرجل، لا تجبر، ولا يجوز لأبيها إجبارها أبداً».
  • بل قال في موضع آخر:
    «ولو بقيت عانسة، هذا إليها، هذا حقها».

    فكون الأب يحب ابنته، ويريد مصلحتها، وخبرته أكبر من خبرتها، كل ذلك يقتضي أن ينصحها ويبين لها، وليس أن يسلبها حقها الذي جعله الشرع لها.

ثالثًا: هل وقع مثل ذلك في زمن النبي ﷺ؟ نعم.

من السنة النبوية:

  • رواه البخاري في صحيحه وأبو داود.عن خنساء بنت خذام رضي الله عنها:
    «أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَدَّ نِكَاحَهُ».

    بل جاء في صحيح البخاري أن امرأة خافت أن يزوجها وليها وهي كارهة، فذُكرت لها قصة خنساء، وأن النبي ﷺ رد نكاحها عندما زوجها أبوها وهي كارهة. وهذا دليل قوي على أن طاعة الوالدين لا تعني أن يملك الأب إجبار ابنته على رجل لا تريده.

رابعًا: لكن أليس هناك قول للفقهاء بجواز إجبار الأب للبكر؟ نعم، هذه المسألة وقع فيها خلاف قديم بين الفقهاء؛ فذهب بعض أهل العلم إلى أن للأب إجبار ابنته البكر بشروط، عض أهل العلم قد قال ذلك، واستحسن أن يزوج ابنته البكر من غير إذنها؛ لأنها لا تعرف مصلحتها على التمام ولكن هذا قول مصادم للسنة، ومخالف لها، فلا ينبغي أن يعول عليه،

من القرآن الكريم:

  • المائدة: ٩٢
    وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
  • النور: ٦٣
    فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
  • النساء: ٥٩
    فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ

    فلا يجوز للمؤمن أن يخالف أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام لقول أحد من الناس كائناً من كان. وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز تزويج البالغة العاقلة بغير رضاها.

والذي رجحه المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره من المعاصرين الشيخ ابن باز وابن عثيمين: أنه لا يجوز إجبار البكر البالغة على من لا تريده؛ لقوة الأحاديث الصريحة في الاستئذان. خامسًا: هل يجوز للبنت أن تقول لأبيها: لا أريد الزواج أصلًا؟ من جهة صحة العقد والإجبار: نعم، لا يجوز أن يعقد عليها بالإكراه، ولا يكون مجرد رفضها الزواج عقوقًا في ذاته.

من أقوال العلماء:

  • وقد سئل الشيخ ابن باز عن فتاة يتقدم إليها رجال صالحون، لكنها تقول: لا أريد الزواج، فقال:
    «الزواج لا بد فيه من رضا الزوجة والزوج... لا يجبر الولد على الزواج إذا كان مكلفًا، ولا تجبر البنت كذلك».

    لكن إن كانت محتاجة إلى الزواج، ويُخشى عليها من الفتنة، فيُنصح لها بالزواج، ويبين لها فضله ومصالحه، بالنصيحة والإقناع، لا بالإكراه.

سادسًا: هل يجب على الأب أن يزوج أبناءه وبناته؟\ ينبغي التفصيل. ليس المعنى أن كل أب يجب عليه بمجرد بلوغ أولاده أن يبحث فورًا عن أزواج لهم، سواء احتاجوا أم لم يحتاجوا. وإنما إذا كان الابن أو البنت محتاجًا إلى الزواج، ولا يملك نفقته، وكان الأب قادرًا على ذلك، فقد نص فقهاء الحنابلة على دخول الإعفاف والتزويج في النفقة الواجبة.

من أقوال العلماء:

  • قال ابن قدامة رحمه الله:
    «وعلى الأب إعفاف ابنه إذا كانت عليه نفقته، وكان محتاجًا إلى إعفافه».
  • وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
    «فيجب على الأب أن يزوج ابنه إذا احتاج الابن للزواج ولم يكن عنده ما يتزوج به».

    وكذلك ذُكر أن التزويج يدخل في النفقة الواجبة للابن أو الابنة غير القادرين عند تحقق شروط النفقة والحاجة. فالمسألة ليست مجرد قول: «تزويج الأولاد سنة على الوالدين» بإطلاق، ولا: «فرض على كل والد أن يزوج كل ولد بمجرد بلوغه»؛ وإنما الحكم متعلق بالحاجة والقدرة ووجوب النفقة.

سابعًا: هل يجوز للأبناء مناقشة والديهم وإقناعهم بأن يسألوا البنت؟ نعم، بل ما يطالبون به هنا هو موافق للسنة: أن تُسأل المرأة، ويُعرف رضاها بالزواج وبالشخص المعين. لكن ينبغي أن يكون ذلك بالأدب والرفق وعدم رفع الصوت والإساءة؛ امتثالًا لقوله تعالى:

من القرآن الكريم:

  • الإسراء: ٣٢
    وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا

    فيمكن أن يقال للأب بأدب: يا أبي، أنت أحرص الناس على مصلحة ابنتك، والنبي ﷺ أمر باستئذان البكر؛ فلنسألها ونبيّن لها صفات الخاطب، فإن رضيت تم الزواج، وإن لم ترض فلا نجبرها. وهذا قريب مما أوصى به الشيخ ابن باز عند وقوع النزاع: الكلام الطيب مع الوالد، ونصيحته، والاستعانة بأهل العلم والأقارب الصالحين لنصحه إن لم يقبل.

النتيجة: ١. لا يجوز إجبار الابن البالغ على الزواج ممن لا يريد، ولا إجبار البنت على الزواج ممن لا تريد. ٢. يجب شرعًا استئذان البكر في الزوج المعين، والثيب لا بد من رضاها الصريح؛ لقول النبي ﷺ: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن». ٣. ليس معنى ولاية الأب أنه يملك إجبار ابنته؛ بل عليه أن ينصحها، ويختار لها الكفء، ويبين لها محاسنه، ثم يكون الزواج برضاها. ٤. إذا احتاج الولد أو البنت إلى الزواج وكان عاجزًا عن نفقته، والأب قادرًا، فإن تزويجه يدخل عند طائفة من أهل العلم في النفقة الواجبة. ٥ . ليس على البنت أن «تسكت وتبكي وتطيع» إذا أرادوا تزويجها ممن تكرهه؛ بل لها أن تقول: لا أريده، وليس ذلك في نفسه عقوقًا، مع وجوب الأدب والبر وحسن الكلام مع الوالدين.

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة

فتاوى ذات صلة

حكم الزواج من غير السلفي إذا لم يقع في الشرك

هل يجوز الزواج من شخصٍ ليس سلفيًّا (لديه بعض الانحرافات في العقيدة) ولكنه لا يقع في الشرك، وذلك لأن الزواج المبكر مستحب؟ أم ينبغي الانتظار حتى نجد شخصًا سلفيًّا؟

اقرأ الإجابة كاملة

حكم الاقتراب من الفتاة للزواج بالطريقة الصحيحة

إذا وجدتَ فتاةً ترغب في الزواج منها، فكيف يمكنك الاقتراب منها بطريقةٍ حلال؟ هل يجوز أن تتحدث إليها وتطلب منها أن تعطي رقم هاتفك لوالدها؟

اقرأ الإجابة كاملة

حكم الزواج بالإكراه وضرب الوالدين

أنا فتاة أُجبرت من قِبل والديّ على الزواج من شاب لم أُعطِ موافقتي على الزواج به. وعندما واجهتهم بأنني لا أريد الزواج منه، قاموا بضربي بشدة. اشترك أبي وأمي مع أخويّ الاثنان في ضربي، حيث لكموني وخنقوني حتى ظهرت كدمات في جسدي ونزفت عيناي من شدة الضرب. ثم أخذوني إلى مكان عقد النكاح، وهددوني بأن أقول “نعم” أمام الشيخ الذي كان يعقد النكاح. ومن شدة الخوف قلت “نعم” في تلك اللحظة. ولم أستطع أن أشتكي للحكومة لأنني كنت خائفة أن يزجوا بأبي في السجن أو يطردوه من العمل، ولم أرد أن أجلب له المشاكل. حتى أنني تواصلت مع ذلك الشاب وأخبرته أن موافقتي لم تكن حقيقية. في هذه الحالة، ماذا عليّ أن أفعل؟ وهل يُعتبر هذا الزواج قد وقع شرعًا؟ وهل يُحسب على ذلك الشاب إثم الزنا، لأنه يعلم أن زواجي به لم يكن برضاي، وأن قولي “نعم” كان تحت الخوف فقط؟ أرجو منكم التوجيه والنصيحة.

اقرأ الإجابة كاملة

حكم الزواج من امرأة تلبس الحجاب دون النقاب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لقد كنتُ أبحث بنشاط عن زوجةٍ صالحةٍ تلتزم باللباس الشرعي الكامل، بما في ذلك النقاب، وذلك منذ حوالي ستة أشهر إلى سنة. وعلى الرغم من جهودي الصادقة، فقد وجدتُ صعوبةً في العثور على مثل هذه المرأة. أنا قادرٌ جسديًّا وماليًّا على الزواج، والحمد لله. فهل يجوز لي أن أتزوج امرأةً تلبس الجلباب والحجاب فقط، أي تلبس لباسًا محتشمًا دون النقاب، إذا لم أجد من تلبس النقاب؟

اقرأ الإجابة كاملة

هل يجوز للمرأة أن تسكن وحدها في مدينة آمنة؟

نشأتُ في بيتٍ فيه إساءة ومعاملة سيئة، وقد ترك ذلك أثرًا سلبيًا كبيرًا على صحتي. ومنذ مدة وأنا أخطط للعيش بمفردي، لكنني سمعت آراءً سلبية حول ذلك وتسأل: بوصفي فتاة، ليس لدي أي رغبة في الزواج. فهل يجوز لي أن أختار العيش وحدي في مدينة آمنة؟

اقرأ الإجابة كاملة

هل يُقدِّم الشاب المسلم الزواج أم الدراسة وبناء مستقبله المهني؟

أبلغ من العمر 25 عامًا. أريد أن أكمل دراستي الجامعية وأبني مسيرتي المهنية، وفي الوقت نفسه أشعر بالرغبة الجنسية. أريد أن أعرف: أيهما أولى في الإسلام بالنسبة لحالتي: الزواج أولًا أم بناء مستقبلي الدراسي والمهني أولًا؟ وما هو توجيه الشريعة الإسلامية في مثل وضعي؟

اقرأ الإجابة كاملة

ماذا تفعل المرأة إذا كان والدها يؤخر زواجها ظلمًا ويرفض الخطّاب الصالحين؟

أنا امرأة و والدي يؤخر زواجي ويرفض الخطّاب الذين يتمتعون بالدين والخلق. يقول لي إن عليّ أن أنهي تعليمي أولًا، وإنه لا يمكنني الزواج إلا في مرحلة متأخرة من حياتي. وعندما أحاول التحدث معه، فإنه غالبًا ما يغضب بشدة ويصبح شديد الارتياب، ويزداد ذلك بسبب تعاطيه مادة تُعرف بأنها تسبب الارتياب. ولهذا السبب، لا يأخذ أيًّا مما أقوله بعين الاعتبار، لذلك غالبًا ما ألتزم الصمت. ماذا ينبغي أن أفعل؟

اقرأ الإجابة كاملة