هل تصوير الزاني والزانية يقوم مقام الشهود الأربعة؟
السؤال: هل تصوير الزاني والزانية يقوم مقام الشهود الأربعة؟
ملخص الجواب:
تصوير الرجل والمرأة حال ارتكاب الزنا، ولو بدا التصوير واضحًا، لا يقوم مقام الشهود الأربعة، ولا يثبت به حد الزنا؛ لأن الشريعة جعلت لإثبات الزنا بينة مخصوصة، وهي شهادة أربعة رجال عدول يشهدون على وقوع فعل الزنا نفسه شهادة صريحة، أو إقرار الزاني على الوجه المعتبر شرعًا. وقد نص الشيخ ابن باز رحمه الله عند سؤاله عن إثبات الزنا بالتصوير على أن الله تعالى اشترط أربعة شهداء، وأن الصور قد يدخلها الكذب والتلاعب. وهذا آكد في عصرنا مع التطور الكبير في تقنيات تعديل الصور ومقاطع الفيديو والذكاء الاصطناعي، حيث أصبح التزييف والتركيب والتلاعب بها ممكنًا بدرجة كبيرة؛ ولذلك لا تُجعل الصور ومقاطع الفيديو بديلًا عن البينة الشرعية المعتبرة في إثبات حد الزنا.
الجواب:
أولًا: الدليل من القرآن على اشتراط أربعة شهداء
من القرآن الكريم:
- النور:٤
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
وقال سبحانه في حادثة الإفك:
- النور:١٣
لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ
فهذه النصوص صريحة في اشتراط أربعة شهداء في إثبات الزنا بالبينة. وقد نقل ابن رشد رحمه الله اتفاق أهل العلم على أن حد الزنا لا يقام بأقل من أربعة شهود رجال عدول يعاينون الفعل نفسه.
ثانيًا: الدليل من السنة من الأدلة العظيمة في هذا الباب حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة اللعان، فإن النبي ﷺ ذكر علامات في الولد تدل دلالة قوية على الرجل الذي اتُّهمت المرأة به.
من السنة النبوية:
- في الصحيحينفلما جاءت به على الصفة التي ذكرها كما جاء في الصحيحين عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ قال:
«لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ».
وفي الروايات الثابتة في قصة اللعان أن النبي ﷺ لم يقم عليها حد الزنا بمجرد القرائن الظاهرة؛ فدل ذلك على أن القرينة، ولو كانت قوية، ليست هي البينة الشرعية التي يقام بها حد الزنا. ولهذا استدل أهل العلم بقصة اللعان على أن الحدود لا تثبت بمجرد القرائن المحتملة، وأن باب الزنا خصوصًا شدد الشرع في إثباته.
ثالثًا: فتوى الشيخ ابن باز في التصوير بعينه
من أقوال العلماء:
- وقد سُئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله سؤالًا صريحًا: في فتوى: هل يجوز إقامة حد الزنا بدلالة التصوير؟ «هل الصورة تقيم الحجة على الزاني؟»
؟» فأجاب رحمه الله بأن ذلك لا يقوم مقام البينة، واستدل بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾. وبيّن أن الصور قد يدخلها التلاعب والكذب، فقال في معنى كلامه: قد تُصوَّر صورة شخص بطريقة توهم وقوع ما لم يقع. وهذه الفتوى من أوضح ما يجيب عن سؤال السائل؛ لأنها واردة في التصوير وإثبات الزنا به تحديدًا.
رابعًا: كلام الشيخ ابن عثيمين في اشتراط البينة
- وبيّن الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
وبيّن الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله " الأصل أن من قذف شخصاً بالزنا أن يقال له : أقم البينة ، وإلا جلدناك ثمانين جلدة ؛ لأن الأعراض محترمة ، فإذا قال شخص لآخر : أنت زانٍ ، أو يا زاني ، أو ما أشبه ذلك ، قلنا : أقم البيِّنة ، وإلا : فثمانون جلدة في ظهرك . فإن قال : أنا رأيته بعيني يزني ، قلنا له : إن لم تأتِ بالشهداء : فأنت كاذب عند الله ، ولهذا قال الله تعالى : ( فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) ما قال في حقيقة الأمر ، لكن عند الله ، أي : في حكمه وشرعه : أنه كاذب ، وإن كان صادقاً في نفس الواقع
وأما الأيمان ، فإنها لا تقوم مقام الشهود إلا في حالة واحدة ، هي : أن يشهد على زوجته أنه رآها تزني ؛ فهنا : إما أن يأتي على ذلك بأربعة شهداء ، كما لو شهد على امرأة غيره ، أو أن يُحد لقذفه امرأة ، من غير بينة ، أو : يلاعنها . وهذا هو الذي يختلف به حال الزوج عن غيره من الشهداء بالزنا .
من السنة النبوية:
- واه البخاري (٦ / ١٠٠ ).فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرِيكِ بْنِ سحْمَاء .
فَقَالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْبَيِّنَةَ ؛ أو حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ ) !! فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا على امرأته رَجُلاً ينطلق يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ ؟! فَجَعَلَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( الْبَيِّنَةَ ؛ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ ) !! فَقَالَ هِلَالٌ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ ، وَلَيَنْزِلَنَّ فِي أَمْرِي مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنْ الْحَدِّ ؛ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ) فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : ( وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ ) . فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا ، فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ ؛ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ ) ؟! ثُمَّ قَامَتْ ، فَشَهِدَتْ ؛ فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا، وَقَالُوا : إِنَّهَا مُوجِبَةٌ !! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَتَلَكَّأَتْ ، وَنَكَصتْ ، حَتَّى ظَنَّنَا أَنْها تَرْجِعُ ؛ ثم قَالَتْ : لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ ..)
خامسًا: التصوير لا يحل محل الشهود
من أقوال العلماء:
- ومما يوضح المسألة أن الشيخ محمد مختار الشنقيطي سئل نصًا: «هل تقوم آلات التصوير الحديث مقام الشهود في إثبات الزنا؟»
فأجاب بأن الصور والأشرطة لا تعتبر موجبة لثبوت الحد ولا دليلًا يقوم مقام الشهود، وذكر من أسباب ذلك احتمال التشابه والتلاعب والإكراه وغير ذلك من الاحتمالات، ثم استدل بقصة اللعان وأن الشريعة جعلت لإثبات الحد بينة مخصوصة.
لا يَثبُتُ الزِّنا ولا يُستَدَلُّ على وُقوعِه بآلاتِ التَّصويرِ والتَّسجيلِ، وبِه أفتَت دارُ الإفتاءِ المِصريَّةُ ، ونَصَّ عليه ابنُ عُثَيمين.
- جاءَ في فتوى دارِ الإفتاءِ المِصريَّةِ:
(الأُمورُ المُستَحدَثةُ والوسائِلُ العِلميَّةُ المُتَقدِّمةُ التي ظَهَرَت ويُمكِنُ الاستِعانةُ بها كَأدِلَّةِ إثباتٍ في هذا البابِ... وكالتَّصويرِ المَرئيِّ، والتَّسجيلِ الصَّوتيِّ: لا تَعدو أن تَكونَ مُجَرَّدَ قَرائِنَ لا تَرقى لأن تَستَقِلَّ بالإثباتِ في هذا البابِ الذي ضَيَّقَه الشَّرعُ). (موقع دار الإفتاء المصرية).
- قال ابنُ عُثَيمين رحمه الله:
(كُنَّا نَقولُ في الماضي بجَوازِ العَمَلِ بالصُّورةِ المُلتَقَطةِ للزَّانيَينِ، لَكِن تَبيَّن لَنا أنَّه حتَّى الصُّورةُ لا يُمكِنُ العَمَلُ بها؛ لأنَّه يُمكِنُ أن تُدَبلَجَ، وهذا سَهلٌ، فالآنَ لمَّا تَقدَّمَ العِلمُ في هذه الأُمورِ صارَ كُلُّ شَيءٍ مُمكِنًا،...) (الشرح الممتع)) (١٤ / ٢٧١ ).
سادسًا: حتى الخلوة والصور الفاضحة لا تكفي لإثبات حد الزنا ينبغي التفريق بين أمرين: قد تثبت بالصورة خلوة محرمة أو فعل محرم آخر إذا ثبتت صحة الصورة وانتفت الاحتمالات، ويكون النظر في ذلك للقاضي والجهة المختصة. لكن لا يجوز الانتقال من ذلك إلى القول: ثبت عليهما الزنا الموجب للحد؛ لأن إثبات حد الزنا له شروطه الخاصة.
من أقوال العلماء:
- ولهذا قال الشيخ ابن باز رحمه الله: فتوى في الفرق بين التهمة وثبوت الزنا
في رجل يدخل على امرأة في موضع ريبة: إنه لا يُحكم على الرجل ولا المرأة بالزنا بمجرد التهمة، وإنما لا بد من الإقرار أو أربعة شهود يشهدون على نفس الجماع. وأما التهمة وما دون إثبات الحد، فيرجع أمر التعزير فيه إلى القضاء الشرعي.
سابعًا: لا يجوز للأفراد إقامة الحدود ومما يجب التنبيه عليه أن إقامة الحدود ليست إلى عامة الناس ولا إلى أهل المرأة أو الرجل، وإنما مرد ذلك إلى ولي الأمر والقضاء الشرعي بعد تحقق شروط الإثبات وانتفاء الموانع.
من أقوال العلماء:
- وقد قال الشيخ ابن باز رحمه الله في مسألة ثبوت الحد:
إذا ثبت الأمر فإنه «يُرفع إلى القاضي».
فلا يجوز أن يرى شخص مقطعًا مصورًا ثم يتولى بنفسه الحكم على صاحبه وإقامة العقوبة عليه أو التشهير به.
النتيجة: تصوير الزاني والزانية لا يقوم مقام الشهود الأربعة، ولا يثبت بمجرده حد الزنا، ولو بدا المقطع واضحًا؛ لأن الله تعالى نص على البينة المعتبرة في هذا الباب، فقال: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾. وقد سئل الشيخ ابن باز رحمه الله عن التصوير نفسه فلم يجعله قائمًا مقام الشهود، وبيّن ما يعتري الصور من احتمال التلاعب والكذب. فالصور والتسجيلات لا تحل محل الشهود الأربعة في إقامة حد الزنا، وإن أمكن أن تكون قرينة على محرم آخر ينظر فيه القضاء بحسب ما ثبت لديه. ولا يجوز للأفراد إقامة الحدود أو التشهير بالناس، بل ذلك مرده إلى القضاء وولي الأمر.
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلة