أنا معلمة في مدرسة ابتدائية، وأُدرِّس أولادًا تتراوح أعمارهم بين 9 و10 سنوات؛ فهل يجوز لي تدريسهم، أم يأخذون حكم البالغين؟

السؤال: أنا معلمة في المرحلة الابتدائية في المدينة المنورة، وأعمل في مدرسة دولية. وبناءً على طلب أولياء الأمور، يوجد في قسم البنات أيضًا بعض الأولاد حتى الصف الثالث. عادةً ما يكون عمر الأولاد في الصف الثالث بين 9 و10 سنوات. فهل يجوز لي شرعًا أن أُدرّس هؤلاء الأولاد؟ أم أنهم يُعتبرون بالغين شرعًا حتى وإن لم يبلغوا سنّ البلوغ بعد؟

ملخص الجواب:

إذا كان الأولاد في الصف الثالث أعمارهم نحو تسع أو عشر سنوات ولم تظهر عليهم علامة من علامات البلوغ، فهم ليسوا بالغين شرعًا بمجرد بلوغ هذه السن، والأصل جواز تدريس المعلمة لهم إذا كانوا من الأطفال الذين لم تظهر منهم أمارات الشهوة والتعلق بالنساء، مع التزام المعلمة بالحجاب والآداب الشرعية وانتفاء الفتنة. لكن سن التاسعة والعاشرة مرحلة ينبغي فيها مزيد الاحتياط؛ فقد يبدأ بعض الصبيان فيها بإدراك أمور النساء والشهوة وإن لم يبلغوا شرعًا. ولهذا فالضابط ليس مجرد رقم العمر، بل حال الصبي وتمييزه وإدراكه للنساء، مع اعتبار علامات البلوغ. وقد قذكر الشيخ الألباني رحمه الله هذا الضابط عند سؤاله تحديدًا عن تدريس المرأة للصبيان من السادسة إلى العاشرة. الضابط في تدريس المرأة للأولاد: العبرة في تدريس المرأة للصبيان ليست بسنٍّ محددة كالعاشرة، وإنما بحال الصبي ومدى إدراكه للنساء وشعوره بالنواحي الجنسية. فإذا كان الصبي قد صار يميّز المرأة ويتأثر بها وتتحرك عنده دواعي الشهوة، فلا ينبغي للمرأة أن تدرّسه أو تظهر أمامه على وجه قد تترتب عليه فتنة، ولو لم يبلغ الحلم. أما إذا كان لا يزال صغيرًا غير مدرك لهذه المعاني ولا متأثر بها، فلا حرج. فالضابط: التمييز والإدراك ووجود مظنة الشهوة، لا مجرد بلوغ سن معينة.

الجواب:

أولًا: متى يكون الصبي بالغًا شرعًا؟

ليس كل من بلغ التاسعة أو العاشرة بالغًا.

من القرآن الكريم:

  • النور: ٥٩
    وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ

    ففرّق الله سبحانه بين الطفل قبل الحلم وبين من بلغ الحلم.

من أقوال العلماء:

  • وقد بيّن الشيخ ابن باز رحمه الله أن الذكر يبلغ بواحدة من ثلاث علامات: في فتوى: العلامات التي يعرف بها البلوغ والتكليف
    إنزال المني باحتلام أو غيره. إنبات الشعر الخشن حول القبل. إكمال خمس عشرة سنة. فإذا حصلت واحدة منها صار الصبي بالغًا مكلفًا، ولو حصلت قبل الخامسة عشرة.

    وعليه فإن كون التلميذ ابن تسع أو عشر سنوات لا يعني بذاته أنه بالغ، لكن يمكن أن يبلغ قبل الخامسة عشرة إذا ظهرت عليه إحدى العلامات السابقة. وقد نص الشيخ ابن باز على إمكان حصول البلوغ بالإنزال قبل ذلك السن.

ثانيًا: السنة تدل على أن ابن العاشرة قد يكون غير بالغ

من السنة النبوية:

  • رواه أبو داود وأحمد وصححه الشيخ الألباني، قال النبي ﷺ:
    «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ».

    والحديث يدل على أن سن العاشرة ليس هو حد البلوغ بذاته، ولكنه سن يزداد فيه الاحتياط والتربية؛ ولهذا أمر النبي ﷺ بالتفريق بينهم في المضاجع عند بلوغ العاشرة. والحديث يشير إلى أن هذا العمر قد يكون بداية الدخول في مرحلة معرفة الشهوة واقتراب البلوغ.

ثالثًا: الدليل على التفريق بين الطفل الذي يدرك أمور النساء وغيره قال تعالى فيمن يجوز للمرأة أن تظهر أمامهم بزينتها:

من القرآن الكريم:

  • النور: ٣١
    أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ

    وهذا قيد مهم؛ فالشرع لم يجعل الحكم متعلقًا بالبلوغ وحده، بل راعى أيضًا إدراك الطفل لأمور النساء. فالطفل الذي لا يفهم أحوال النساء ولا تتحرك شهوته إليهن ليس كالصبي المراهق الذي أصبح ينظر إلى المرأة ويميز محاسنها ويتعلق بها، وإن لم تثبت عليه أحكام البالغين بعد.

رابعًا: كلام الشيخ الألباني في تدريس المرأة للصبيان من السادسة إلى العاشرة

من أقوال العلماء:

  • وسئل الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله سؤالًا قريبًا جدًا من سؤال السائلة:
    هل يجوز تدريس المرأة للصبيان في المرحلة الابتدائية، ويكون سن التلميذ فيها بين السادسة والعاشرة؟ فبيّن رحمه الله أن القضية لا تضبط بسن العاشرة وحدها؛ لأن بعض الأطفال قد يظهر عندهم الإحساس بالأمور الجنسية قبل ذلك. وربط الحكم بقوله تعالى في الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء.

    وخلاصة ضابطه: إذا كان الغالب على هؤلاء الأطفال أنهم لا يشعرون بهذه الأمور جاز، وإذا كانوا قد بدأوا يدركونها ويتأثرون بالنساء فلا يجوز للمرأة الدخول عليهم على هذا الوجه. كلام الشيخ الألباني كاملًا في تدريس المرأة للصبيان من السادسة إلى العاشرة وهذا الكلام مهم في حالة السائلة؛ لأن الطلاب المذكورين في التاسعة والعاشرة، وهي سن تختلف فيها أحوال الأطفال اختلافًا ظاهرًا.

خامسًا: هل يجوز للمعلمة تدريسهم؟ إذا كان هؤلاء الأولاد غير بالغين، ولم تظهر منهم أمارات التعلق بالنساء والشهوة، وكانوا لا يزالون في حكم الأطفال الذين لا يظهرون على عورات النساء، فالأصل أنه لا حرج على المعلمة في تدريسهم، مع التزامها بالحجاب الشرعي والوقار، وعدم الخلوة بأحد منهم، والاقتصار في التعامل على ما تقتضيه حاجة التعليم. وقد جاء في فتوى خاصة بعنوان «حكم تدريس المرأة للذكور الصغار» أن الأصل جواز تدريس المعلمة للذكور غير البالغين في الصفوف الأولى، مع التنبيه إلى أن فصل تعليم الذكور عن الإناث أسلم وأبعد عن المحاذير. لكن إذا بلغ أحد الطلاب، أو صار مراهقًا يدرك محاسن النساء ويتعلق بهن وتظهر منه أمارات الشهوة، فلا يعامل معاملة الطفل الصغير الذي لا يدرك هذه الأمور، ويجب مراعاة أحكام الحجاب والاختلاط والفتنة، والواجب أن يتولى تدريسَ البالغين الرجالُ من المدرسين؛ فلا يجوز للمرأة أن تتولى تدريسَ الرجال البالغين. سادسًا: تنبيه يتعلق بسن التاسعة والعاشرة ينبغي ألا يُقال بإطلاق: «كل من كان عمره تسعًا أو عشرًا يجوز للمرأة تدريسه؛ لأنه غير بالغ»؛ فهذه العبارة غير دقيقة. فالبلوغ قد يقع لبعض الصبيان قبل الخامسة عشرة، كما أن الصبي قد يميز النساء ويتعلق بهن قبل بلوغه الشرعي. ولهذا كان كلام الشيخ الألباني أدق: ينظر إلى حال الأطفال، فإن كانوا لا يزالون لا يدركون أمور النساء فالأمر أوسع، أما إذا ظهرت عندهم هذه المعرفة والشهوة فلا يعاملون معاملة الأطفال الصغار. وهذا يتفق مع قوله تعالى:

من القرآن الكريم:

  • النور: ٣١
    أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ

النتيجة: الأولاد في سن التاسعة والعاشرة لا يُحكم ببلوغهم لمجرد السن؛ فالذكر يبلغ بإنزال المني، أو إنبات الشعر الخشن حول القبل، أو إكمال خمس عشرة سنة. فإذا كان طلاب الصف الثالث المذكورون غير بالغين، ولا تزال أحوالهم أحوال الأطفال الذين لا يدركون أمور النساء ولا تظهر منهم أمارات الشهوة، فلا يظهر حرج في تدريس المعلمة لهم مع الالتزام بالحجاب والضوابط الشرعية. أما إذا ظهر على بعضهم البلوغ، أو صاروا ممن يدركون محاسن النساء ويتعلقون بهن، فلا ينبغي معاملتهم معاملة الأطفال الصغار، ويكون فصل البنين عن البنات، وتدريس الرجال للبنين والنساء للبنات، أسلم للدين وأبعد عن الفتنة، ولا سيما عند سن العاشرة وما قاربها.

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة

فتاوى ذات صلة

حكم بيع ملابس النساء التي لا تستر العورة سترًا كاملًا

حكم بيع ملابس النساء التي قد لا تستر المرأة بشكل كامل، مثل الفساتين أو غيرها التي تُظهر ذراعيها، أو القمصان ونحو ذلك؟ هل يقع الإثم على البائع إذا لبستها خارج المنزل أو في أماكن لا يجوز لها الظهور فيها بهذه الملابس؟ أحيانًا قد تكون المرأة المشتريّة غير مسلمة أيضًا.

اقرأ الإجابة كاملة

حكم العمل في المبيعات أو الإدارة في نادٍ رياضي نسائي

يجوز العمل في المبيعات أو الإدارة في نادٍ رياضي مخصص للنساء فقط إذا كانت الاشتراكات تتضمن أحيانًا رسوم إلغاء أو تأخير، ولكنها لا تشمل تمويلًا قائمًا على الفوائد؟

اقرأ الإجابة كاملة

سفر المرأة للحج أو العمرة دون محرم

هل يجوز للمرأة أن تؤدي الحج أو العمرة وحدها؟

اقرأ الإجابة كاملة

هل يجوز للمرأة دعوة الرجال غير المحارم إلى الله؟

هل يجوز للمرأة أن تدعو الرجال غير المحارم إلى الله؟ هناك يوتيوبر مسلمة ذكرت أن ذلك جائز، واستدلت بـ الفتاوى الجامعة للمرأة المسلمة، صفحة ١٠ ١٠.

اقرأ الإجابة كاملة

هل يجوز للمرأة أن تسافر إلى بلد آخر بمفردها أو مع امرأة أخرى؟

هل يجوز للمرأة أن تسافر إلى بلد آخر بمفردها؟ وما الحكم إذا سافرت مع امرأة أخرى؟

اقرأ الإجابة كاملة

هل يجوز الاستماع إلى القرآن أثناء العمل لتجنب التوسع في الحديث مع الزبائن من الرجال؟

أنا أعمل في مكان يأتي إليه الرجال للتسوّق، وأحيانًا أجد نفسي أطيل الحديث معهم، وأسأل الله أن يغفر لنا جميعًا. وقد فكرت في أن أضع سماعات الأذن وأستمع إلى القرآن أثناء فترة عملي؛ ليكون ذلك تذكيرًا لي، لكن عندما يدخل الزبائن قد لا أتمكن من إيقاف تشغيل القرآن. فهل يجوز لي فعل ذلك، مع علمي أننا مأمورون بالإنصات للقرآن عند تلاوته؟ وإذا كان هذا لا يجوز، فما النصائح أو الوسائل التي تنصحون بها حتى لا أنشغل أو أتوسع في الحديث مع الزبائن؟

اقرأ الإجابة كاملة