هل يُحاسَب الأب إذا بلغت ابنته ولم ترتدِ الحجاب، وهل يكفي أن يبيّن لها أنه واجب؟

السؤال: هل يُحاسَب الأب على ابنته التي بلغت سن البلوغ إذا كانت لا ترتدي الحجاب؟ وإذا كان قد أخبرها أن الحجاب واجب، فهل يكون بذلك قد أدّى ما عليه؟

ملخص الجواب:

إذا بلغت البنت، فإن الحجاب الشرعي واجب عليها، وهي مؤاخذة بتركه لأنها أصبحت مكلَّفة. لكن الأب كذلك مسؤول عن رعايتها؛ فيجب عليه أن يعلِّمها وجوب الحجاب، ويأمرها به، وينصحها، ويكرر عليها النصح، ويمنع المنكر بحسب استطاعته وحكمته. فلا يكفي أن يقول لها مرة واحدة: «الحجاب واجب» ثم يترك الأمر ولا يبالي، مع قدرته على النصح والتوجيه. أما إذا قام بما يستطيع من التعليم والأمر والنصح والإنكار، وبذل الأسباب المشروعة، ثم أصرت البنت البالغة على ترك الحجاب، فإثم ترك الحجاب عليها هي، ولا يحمل الأب ذنبها إذا كان قد أدى ما أوجب الله عليه بحسب استطاعته؛ قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.

الجواب:

أولًا: الأب مسؤول عن أهل بيته

من القرآن الكريم:

  • التحريم: ٦
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ

    وهذه الآية تدل على أن المسلم مأمور بتعليم أهله وأمرهم بطاعة الله ونهيهم عن معصيته.

من السنة النبوية:

  • رواه البخاري ومسلم.وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ:
    «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ... وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ».

    فمسؤولية الأب لا تنتهي بمجرد بلوغ ابنته، بل يبقى مأمورًا بالنصح والتوجيه والأمر بالمعروف في أهل بيته بحسب قدرته.

ثانيًا: ماذا يجب على الأب إذا تركت ابنته الحجاب؟

من السنة النبوية:

  • رواه مسلم.عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ:
    «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ».

    وعليه، فالأب يفعل ما يستطيعه شرعًا: يبيّن لها أن الحجاب فريضة، ويأمرها به، ويذكّرها بالله، ويبيّن لها خطورة التبرج، ويستمر في نصحها بالحكمة والرفق، ويستعمل ما يملكه من وسائل التربية المشروعة التي يرجى نفعها، من غير ظلم ولا اعتداء.

ثالثًا: هل يكفي أن يخبرها مرة واحدة بأن الحجاب واجب؟ مجرد الإخبار مرة واحدة لا يعني بالضرورة أنه أدى جميع ما عليه، خصوصًا إذا كان يرى ابنته مستمرة على ترك الحجاب وهو قادر على نصحها وتوجيهها. وهذا واضح جدًا في كلام اهل رحمهم الله، إذ قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ إن ذلك يكون بالتناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

من أقوال العلماء:

  • وقال الشيخ ابن باز رحمه الله : في شرح باب وجوب أمر الأهل والأولاد بطاعة الله:
    إن الواجب على صاحب البيت أن يقوم على أهله بما أوجب الله، وذكر أن الأهل يدخل فيهم «الزوجة والبنات والأخوات»، وأن وقايتهم تكون بالتوجيه والتأديب والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • وقال رحمه الله أيضًا:
    «فالواجب على الأب أن يعتني بالأولاد وأن يرشدهم»، وبيّن أن هذا يشمل الذكور والإناث.

رابعًا: إذا نصحها الأب وأصرت، فهل يأثم؟ هنا ينبغي التفريق بين إثم البنت ومسؤولية الأب. فالبنت إذا بلغت أصبحت مكلَّفة، فإذا تركت الحجاب مع علمها بوجوبه فهي التي تتحمل إثم معصيتها. أما الأب فيحاسب على ما أوجبه الله عليه من الرعاية والنصح والأمر والنهي بحسب استطاعته. فإذا بذل ما يستطيع، واستمر في النصيحة والتوجيه، ولم يرضَ بمعصيتها، ولم يعنها عليها، ثم لم تستجب له، فلا يؤاخذ بما خرج عن قدرته؛

من القرآن الكريم:

  • البقرة: ٢٨٦
    لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا

من أقوال العلماء:

  • ولهذا لما سُئل الشيخ ابن باز رحمه الله: في فتوى: ما الوصية لمن يجد صعوبة في نصح أقاربه؟
    عن صعوبة نصح بعض الأقارب، ومنهم الأخوات، أوصى بالاستمرار في نصيحتهن وترغيبهن في طاعة الله وتحذيرهن من المعاصي، والاستعانة بمن يمكن أن يؤثر فيهن من الأقارب وأهل العلم.

النتيجة: البنت البالغة مسؤولة أمام الله عن حجابها، والأب مسؤول عن القيام بواجب الرعاية تجاهها. فلا يكفي أن يخبرها بوجوب الحجاب ثم يهمل الأمر، بل عليه أن يأمرها وينصحها ويكرر توجيهها وينكر تركها للحجاب بحسب استطاعته وبالحكمة. فإذا بذل ما يستطيع ولم يرضَ بمعصيتها، ثم أصرت وهي بالغة على ترك الحجاب، فإثم ترك الحجاب عليها، ولا يؤاخذ الأب بما عجز عن تغييره بعد قيامه بما أوجب الله عليه.

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة

فتاوى ذات صلة

ما حكم مسّ المرأة للقرآن وهي حائض، وهل يجوز لها دخول المسجد؟

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ما حكم مسّ المرأة للقرآن وهي حائض، وهل يجوز لها دخول المسجد؟ لقد سمعت أن بعض المذاهب تقول إنه لا يجوز — فهل يمكنكم توضيح الآراء المختلفة؟

اقرأ الإجابة كاملة

حكم الزواج من امرأة تلبس الحجاب دون النقاب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لقد كنتُ أبحث بنشاط عن زوجةٍ صالحةٍ تلتزم باللباس الشرعي الكامل، بما في ذلك النقاب، وذلك منذ حوالي ستة أشهر إلى سنة. وعلى الرغم من جهودي الصادقة، فقد وجدتُ صعوبةً في العثور على مثل هذه المرأة. أنا قادرٌ جسديًّا وماليًّا على الزواج، والحمد لله. فهل يجوز لي أن أتزوج امرأةً تلبس الجلباب والحجاب فقط، أي تلبس لباسًا محتشمًا دون النقاب، إذا لم أجد من تلبس النقاب؟

اقرأ الإجابة كاملة

سفر المرأة للحج أو العمرة دون محرم

هل يجوز للمرأة أن تؤدي الحج أو العمرة وحدها؟

اقرأ الإجابة كاملة

لبس الحلي للنساء

هل يجوز للنساء أن يلبسن الحُلِيَّ (الزينة)؟

اقرأ الإجابة كاملة

هل الإسلام متمحور حول الرجال؟ وكيف أزيل هذا الالتباس من ذهني كامرأة؟

ليس هذا سؤالًا، لكنه همّ أريد حقًا أن أزيله بسؤال شخص من أهل العلم. كثيرًا ما أشعر وكأن الإسلام متمحور حول الرجال، وأنا أعلم أن هذا غير صحيح، لكن التحيزات الموجودة في الثقافة، وحتى عند بعض المشايخ، خصوصًا في منطقة جنوب شرق آسيا، تجعلك تشعر بذلك. وكأن النساء أقل عقلًا، أو أقل قدرة على طلب العلم، أو المشاركة في حلقات العلم. فهل يمكنكم أن تدلوني على كتب أقرأها أو محاضرات أستمع إليها تزيل هذا الالتباس من ذهني، أو تلقي الضوء على هذا الأمر؟ لأنني لا أريد أن يكون هذا التحيز عائقًا بيني وبين التقرب إلى الله، وأريد أن أرى الإسلام كما هو

اقرأ الإجابة كاملة

ما حكم ذهاب المرأة إلى الجامعة مع التزامها بالحجاب الشرعي الكامل؟

سؤالي يتعلق بحكم ذهاب المرأة إلى الجامعة مع التزامها بالحجاب الشرعي الكامل، فهل هذا جائز؟ وإن لم يكن جائزًا، فبماذا تنصحونها أن تفعل بدلًا من ذلك، علمًا بأن لديها مادتين تُدرسان عن بُعد، ولا تنوي حضور بقية المحاضرات إلا عند الضرورة، كالاختبارات أو المعامل ونحوها؟

اقرأ الإجابة كاملة

هل يجوز للمرأة لبس حجاب مطبوع أو منقوش؟

هل يجوز لبس الحجاب المطبوع في الإسلام؟

اقرأ الإجابة كاملة