حكم تناول بذور القنب التي لا تحتوي على مواد مسكرة
السؤال: قمتُ بإعداد مسحوق بروتين منزلي وكرات بروتين تحتوي على كميات قليلة من بذور القنب، إلى جانب بذور اليقطين وبذور الشيا والمكسرات والتمر. ثم علمتُ لاحقًا أن بذور القنب تأتي من نبات القنب الذي يُستخرج منه الحشيش. وقد سأل أحد أصدقائي أحد المعاهد الشرعية عن حكم تناولها، فنصحوه بعدم تناولها لأن القنب من النباتات المسكرة. ومع ذلك، فإن بذور القنب نفسها لا تُعد من المواد المسكرة، وقد ورد في موقع الإسلام سؤال وجواب أن الأجزاء غير المسكرة من النبات يجوز استعمالها إذا كانت غير ضارة. ولم أشعر بأي تأثير مسكر بعد تناولها، لكن لا يزال لدي شك في حكمها الشرعي. فهل يجوز تناول بذور القنب رغم أنها تأتي من النبات الذي يُستخرج منه الحشيش؟ وهل يشمل تحريم الحشيش بذوره التي لا تحتوي على مواد مسكرة ولا تُسبب الإسكار؟
ملخص الجواب:
يجوز تناول بذور القنب إذا كانت خالية من المواد المسكرة والمخدرة، ولا يترتب على تناولها ضرر معتبر؛ لأن التحريم متعلق بالمادة المسكرة أو المخدرة، وليس بمجرد انتساب البذور إلى النبات الذي يُستخرج منه الحشيش. فبذور القنب التي تُستعمل في الأطعمة والمكملات الغذائية، إذا كانت غير مسكرة ولا مخدرة ولا ضارة، فالأصل فيها الإباحة، ولا يشملها تحريم الحشيش لمجرد أنها من النبات نفسه. وأما مجرد الشك في تحريمها، دون وجود دليل على احتوائها على مادة محرمة، فلا ينقلها عن أصل الإباحة.
الجواب:
المسألة الأولى: الأصل في الأطعمة الإباحة
من القرآن الكريم:
- البقرة: ٢٩
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا
- البقرة: ١٦٨
يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا
- الأعراف: ١٥٧
وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ
وجه الاستدلال: أن الأصل في النباتات والبذور والأطعمة الحل، حتى يقوم دليل شرعي على تحريمها، كأن تكون مسكرة أو مخدرة أو ضارة. وعليه، فلا يصح الحكم بتحريم بذور القنب لمجرد أنها مأخوذة من نبات يُستخرج من بعض أجزائه الحشيش.
المسألة الثانية: تحريم المسكرات والمخدرات في الكتاب والسنة
من القرآن الكريم:
- المائدة: ٩٠
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
من السنة النبوية:
- رواه مسلم في «صحيحه».وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال:
«كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».
- رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وقال الشيخ الألباني حسن صحيحوعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال:
«مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ».
وجه الاستدلال: أن الشريعة حرمت ما كان مسكرًا، سواء كان مأخوذًا من العنب أو التمر أو الحبوب أو غيرها من النباتات. وأما البذور التي لا تحتوي على مادة مسكرة أو مخدرة، فلا تدخل في هذا التحريم لمجرد اشتراكها مع المادة المحرمة في أصل النبات. كما أن المخدرات المحرمة لا يشترط أن تُحدث السكر على صورة الخمر؛ بل يدخل في التحريم ما ثبت أنه يُخدِّر العقل ويضر به.
المسألة الثالثة: أقوال أهل العلم
من أقوال العلماء:
- شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
«الْحَشِيشَةُ الْمَلْعُونَةُ الْمُسْكِرَةُ: فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهَا مِنَ الْمُسْكِرَاتِ».
وبيَّن أن ما يزيل العقل يحرم تناوله، ولو لم يكن مسكرًا بالمعنى الخاص. وجه الاستدلال: أن التحريم متعلق بما يزيل العقل أو يفسده، ولا يلزم من تحريم المادة المسكرة تحريم جميع أجزاء النبات التي لا تتصف بذلك.
- الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله
صحح لغيره حديث جابر رضي الله عنه: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ». وهذا الحديث أصل في تحريم القليل من المادة التي يسكر كثيرها، وإن لم يحصل السكر من تناول ذلك القليل. أما بذور القنب التي لا تحتوي على مادة مسكرة، فلا تدخل في الحديث لمجرد أن أصلها من نبات القنب.
- فتوى موقع الإسلام سؤال وجواب: ورد في الموقع سؤال مطابق تقريبًا لهذه المسألة، برقم: (166813)، بعنوان: «حكم تناول بروتين عشبة القنب». وكان السؤال عن البروتين المستخلص من القنب، والذي لا يحتوي على مادة (THC).
وجاء في الجواب: «فإنه لا حرج في تناوله، على أن لا يكون له تأثير سلبي على البدن غير ما تحدثه مادة التخدير». وقد اشترطت الفتوى أن يكون البروتين مأخوذًا من الأجزاء المذكورة فيها، ومنها البذور، وأن يكون خاليًا بالفعل من المادة المؤثرة.
وهذه الفتوى هي الأقرب إلى صورة السؤال، لأنها تتناول حكم البروتين المستخلص من القنب، لا حكم الحشيش المسكر نفسه.
المسألة الرابعة: هل مجرد كون البذور من نبات القنب يوجب تحريمها؟ الجواب: لا. فإن الحكم الشرعي يتعلق بحقيقة الشيء وصفاته، ولا يلزم من تحريم جزء من النبات تحريم سائر أجزائه. وعليه، فلا بد من التفريق بين أمرين: - الحشيش المسكر أو المخدر: محرم شرعًا، قليله وكثيره إذا كان من جنس ما يسكر كثيره. - بذور القنب الغذائية: مباحة إذا كانت خالية من المواد المحرمة، ولم يثبت ضررها. وينبغي التنبيه إلى أن بذور القنب بطبيعتها لا تُنتج مقادير مؤثرة من مادة (THC)، لكن قد تتلوث بها أثناء الحصاد أو التصنيع نتيجة ملامسة أجزاء أخرى من النبات؛ ولذلك يُرجع في المنتجات الغذائية إلى مصدرها ومكوناتها وفحوصها الموثوقة. كما أن عدم الشعور بالإسكار بعد تناول كمية قليلة لا يكفي وحده للحكم بإباحة مادة مجهولة التركيب؛ لقول النبي ﷺ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ».
من أقوال العلماء:
- الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله
«فإن أسكر فهو محرم لإسكاره، وإن أضر فهو محرم لإضراره وإفساده الأبدان وإضراره بالعقول».
- وقال أيضًا:
«وهكذا ما عرف أنه مضر بشهادة الأطباء العارفين به، أو بالتجارب ما عرف أنه يضر فهو محرم ومنكر».
وجه الاستدلال: أن مناط التحريم هو الإسكار أو الضرر المحقق أو المعتبر، فإذا انتفى ذلك عن البذور الغذائية بقيت على أصل الإباحة.
- الشيخ ابن باز رحمه الله في أصل إباحة الأطعمة: سُئل الشيخ: «الأصل في الأطعمة الحل؟».
فأجاب: «نعم، إلا إذا أتت شبهة تقطع ذلك».
المسألة الخامسة: حكم مسحوق البروتين وكرات البروتين المذكورة في السؤال بناءً على ما تقدم، فإن مسحوق البروتين المنزلي وكرات البروتين التي أعدها السائل من بذور القنب وبذور اليقطين والشيا والمكسرات والتمر يجوز تناولها إذا كانت بذور القنب مخصصة للاستعمال الغذائي، وخالية من المواد المسكرة أو المخدرة المؤثرة، ولم يثبت ضررها. ولا يلزم السائل التخلص من الطعام لمجرد علمه بأن بذور القنب مأخوذة من النبات الذي يُستخرج منه الحشيش. وأما إذا كانت البذور مجهولة المصدر، أو ثبت تلوثها بمقادير مؤثرة من المواد المخدرة، فينبغي التثبت من سلامتها قبل تناولها. النتيجة: الراجح جواز تناول بذور القنب الغذائية، ومسحوق البروتين المصنوع منها، إذا كانت خالية من المواد المسكرة والمخدرة المؤثرة، ولم يثبت ضررها؛ لأن الأصل في الأطعمة الإباحة، ولا يشمل تحريم الحشيش جميع أجزاء نبات القنب لمجرد اشتراكها في الأصل. وعليه، فلا حرج على السائل فيما تناوله من هذه البذور إذا كانت على الصفة المذكورة، ولا يلزمه ترك ما أعده من الطعام لمجرد الشك في حكمها، مع مراعاة التثبت من سلامة المنتج ومكوناته.
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلةفتاوى ذات صلة
حكم أكل الدجاج من مطاعم الوجبات السريعة في كندا
سمعت أن في البلدان المسيحية يعتبر أكل الدجاج الذي ليس عليه علامة "حلال" حلالًا ويجوز لنا أكله. فبحسب هذا القول، هل يجوز لي أن آكل الدجاج من مطاعم الوجبات السريعة مثل A&W، وبرجر كينغ، وونديز في كندا، أم ينبغي لي تجنبه؟
استعمال جوزة الطيب في الطعام والطبخ
ما حكم استعمال جوزة الطيب في الطعام؟ وهل يجوز استخدامها في الطبخ؟
ما حكم تناول مسحوق بروتين مصل اللبن؟
هل مسحوق «مصل اللبن» (Whey)، أو مسحوق بروتين مصل اللبن (Whey Protein)، حلال؟ هناك آراء كثيرة ومتباينة حول هذا الأمر على الإنترنت، وأرغب في الحصول على إجابة واضحة. والعامل الأساسي الذي يثير الشك في حكمه هو مادة تُسمى «المنفحة» (Rennet). أرجو منكم التوضيح والإفادة، وأعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال ستفيد كثيرًا من المسلمين الذين يرغبون في استخدام مسحوق البروتين
ما حكم استخدام الكحول في النكهات والتعقيم، وبقاء آثاره في المنتج النهائي؟
السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ هل استخدام الكحول في عملية إضافة النكهات حرام؟ وهل يحرم تناول المنتجات التي استُخدم الكحول في تصنيعها؟ فمثلًا: استخدام الكحول في صناعة مسحوق بنكهة الفانيليا أو الكريمات ونحو ذلك. وكذلك ما حكم استخدام الكحول في تعقيم المعدات وفي عمليات إضافة النكهات، مما قد يؤدي إلى وجود آثار يسيرة من الكحول في المنتج النهائي؟