ما حكم الصيد بالطُّعم الحي، وصيد السمك للترفيه ثم إعادته إلى الماء؟

السؤال: ما حكم استخدام الطُّعم الحي، كالديدان أو الأسماك الصغيرة، لصيد الأسماك الأكبر حجمًا؟ وما حكم صيد السمك لمجرد الترفيه ثم إعادته إلى الماء، أو إعادة السمكة إلى الماء لأنها غير مستساغة الطعم؟

ملخص الجواب:

الأصل أن صيد السمك مباح؛ قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96]. وأما المسائل المذكورة: 1-استعمال الديدان الحية أو السمك الصغير طُعمًا: يجوز عند الحاجة إلى ذلك في الصيد والانتفاع بالصيد، ولا سيما إذا لم يحصل المقصود إلا به؛ لأن ما يلحق الحيوان من أذى أبيح للمصلحة المعتبرة. والأولى إن أمكن تحقيق المقصود بطُعم ميت أو صناعي أن يُستعمل؛ خروجًا من تعذيب الحيوان بلا حاجة. 2- صيد السمك لمجرد اللهو ثم إعادته إلى الماء: إذا كان المقصود مجرد الإمساك بالسمكة وإيلامها بالسنارة ثم إطلاقها، من غير حاجة ولا انتفاع معتبر، فالأقرب المنع؛ لما فيه من إيذاء الحيوان عبثًا، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى الكراهة، ومال آخرون إلى التحريم. 3- إذا صاد السمكة بقصد الأكل، ثم وجدها غير مستساغة أو غير مناسبة فأعادها حيّة إلى الماء: فلا حرج؛ لأن أصل الصيد كان لغرض صحيح، وإطلاقها بعد ذلك إحسان إليها، وليس المقصود تعذيبها.

الجواب:

أولًا: الأصل في صيد السمك

من القرآن الكريم:

  • المائدة: ٩٦
    أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾
  • النحل: ١٤
    وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا

الصيد يكون على وجهين : الأول : الصيد للانتفاع بالمصيد ، إما بالأكل ، أو البيع ، أو التصدق به على المحتاجين ، أو إهدائه للأصدقاء والأقارب ، أو غير ذلك من وجوه الانتفاع . فهذا مباح بإجماع العلماء .

من أقوال العلماء:

  • قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
    " فهذا لا شك في جوازه ، وهو مما أحله الله عزّ وجل في كتابه ، وثبتت به السنة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ، وأجمع عليه المسلمون ". انتهى من " الشرح الممتع " (15/98).

الثاني : أن يكون الصيد على سبيل اللهو والعبث والتسلية فقط ، وإذا صاده تركه دون أن ينتفع به بشيء . فهذا النوع من الصيد مكروه عند بعض العلماء ، ومنهم من مال إلى تحريمه . ومن الأدلة على كراهته:

من السنة النبوية:

  • رواه النسائي (4349) والدارمي (1978) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (1092).ما جاء عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال
    ( مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا بِغَيْرِ حَقِّهِ ، سَأَلَهُ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) قِيلَ : وَمَا حَقُّهُ ؟. قَالَ : ( أَنْ تَذْبَحَهَا فَتَأْكُلَهَا ، وَلَا تَقْطَعْ رَأْسَهَا فَيُرْمَى بِهَا )

من أقوال العلماء:

  • قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
    " فهذا مكروه ، ولو قيل بتحريمه لكان له وجه ؛ لأنه عبث ، وإضاعة مال ، وإضاعة وقت " " انتهى من " الشرح الممتع " (15/98).
  • وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله :
    " فَلَوْ لَمْ يَقْصِدِ الِانْتِفَاعَ بِهِ حَرُمَ ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ، بِإِتْلَافِ نَفْسٍ عَبَثًا " انتهى من " فتح الباري " (9/602).
  • وفي " فتاوى اللجنة الدائمة " (22/ 512) :
    أما قتله لمجرد اللعب واللهو فممنوع ؛ لما فيه من ضياع المال ، مع تعذيب الحيوان ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك

ثانيًا: استعمال الديدان والأسماك الصغيرة الحية طُعمًا لا حرج في اصطياد السمك بالديدان الحية، أو بشيء من الحشرات، أو بالأسماك الصغيرة، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، فإن لم تدع الحاجة إليه كُره؛ لما فيه من تعذيب الحيوان. ولو أمكن قتل هذه الديدان، بفصل رؤوسها، قبل استخدامها طُعما، وصلحت لغرض الصيد وهي كذلك: فهو أحسن. الأصل في الحيوان ألا يُعذَّب من غير حاجة؛

من السنة النبوية:

  • صحيح الترمذيوقد روى مسلم عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ:
    " ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ".

    لكن الشريعة أجازت إيلام الحيوان عند وجود مصلحة معتبرة؛ كالذبح للأكل، والصيد للانتفاع. ولذلك ذكر الفقهاء جواز بيع ما يُحتاج إليه للصيد.

من أقوال العلماء:

  • قال البهوتي الحنبلي في «كشاف القناع» في الأشياء التي يصح بيعها:
    «وديدان لصيد سمك»

    ونقل أهل العلم أنه إذا احتيج إلى الديدان أو الأسماك الصغيرة الحية لصيد السمك والانتفاع به جاز استعمالها، مع تقليل الأذى ما أمكن.

حكم استخدام الطعم الحي مع نقل كلام البهوتي وعليه: يجوز استعمال الدودة أو السمكة الصغيرة الحية طُعمًا إذا كانت هناك حاجة معتبرة للصيد، والأولى استعمال البديل الذي لا يتضمن تعذيبًا متى كان يؤدي الغرض نفسه. ثالثًا: صيد السمك لمجرد الترفيه ثم إعادته إلى الماء أولا : إن لم يكن للصائد حاجة خاصة في صيده ، وإنما يريد به ممارسة الهواية أو الرياضة ( العبث واللعب ) ، انتقل حكم الصيد ـ في هذه الحالة ـ من الإباحة إلى الكراهة.

من أقوال العلماء:

  • جاء في "الموسوعة الفقهية" (28/115) :
    " َإِذَا عُلِمَ أَنَّ الأْصْل فِي الصَّيْدِ الإْبَاحَةُ ، فَلاَ يُحْكَمُ بِأَنَّهُ خِلاَفُ الأْوْلَى أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ وَاجِبٌ ، إِلاَّ فِي صُوَرٍ خَاصَّةٍ بِأَدِلَّةٍ خَاصَّةٍ نَذْكُرُهَا فِيمَا يَلِي : ... وَيُكْرَهُ الصَّيْدُ إِذَا كَانَ الْغَرَضُ مِنْهُ التَّلَهِّيَ وَالْعَبَثَ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (لاَ تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا) رواه مسلم ؛ أَيْ هَدَفًا "

من السنة النبوية:

  • صحيح مسلموعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال:
    نَهى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُقتَلَ شيءٌ مِنَ الدَّوابِّ صَبرًا.

    وقد صرح غير واحد من أهل العلم بكراهة الصيد في هذه الحالة .

من أقوال العلماء:

  • قال النفراوي المالكي رحمه الله :
    " الصيد للهو بقصد الذكاة مكروه كراهة تنزيه " انتهى من "الفواكه الدواني" (1/390) .
  • وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
    " الصيد لحاجة جائز ، وأما الصيد الذي ليس فيه إلا اللهو واللعب فمكروه ، وإن كان فيه ظلم للناس بالعدوان على زرعهم وأموالهم فحرام " انتهى من "الفتاوى الكبرى" (5/550)
  • وقال الشيخ منصور البهوتي رحمه الله :
    " يكره الصيد لهوا ؛ لأنه عبث ، وإن كان في الصيد ظلم الناس بالعدوان على زروعهم وأموالهم فهو حرام ؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد " انتهى من "كشاف القناع" (6/213) .
  • وقال ابن عابدين رحمه الله :
    " وَفِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى : وَيُكْرَهُ لِلتَّلَهِّي " انتهى من "رد المحتار" (5/297) .

ثانيا : إذا كان الغرض من الصيد اللهو والرياضة ، غير أنه سوف ينتفع بهذا الصيد ، إما بأكل ، أو بيع ، أو هدية ، أو نحو ذلك : زالت علة الكراهة المذكورة هنا ، وعاد الصيد إلى الإباحة الأصلية ، لأن الصيد في هذه الحالة ليس عبثا محضا ، وليس فيه إتلاف لماليته ، أو تعذيب له .

من أقوال العلماء:

  • قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله :
    " لم تشرع إذاقة الموت عبثاً ، مثل من يقنص الصيود على السيارات ، ولا قصدهم أكلها ولا إطعامها ، فإن هذا مرجوح , وفى حديث "من قتل عصفوراً بغير حق سئل عنه" انتهى من "فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ" (12/231)
  • وقال الشيخ ابن باز رحمه الله :
    " إذا كان لمصلحة شرعية ليأكل أو يبيع كأن يصيد الحبارى والضبا والأرانب وغير هذا من الأشياء المباحة ليأكلها أو ليبيعها فلا بأس ، أما إذا كان يصيدها ليقتلها ويتركها فهذا لا ينبغي ، أقل أحواله الكراهة الشديدة فلا يصيد حيواناً مأكولاً إلا لمصلحة ، إما ليأكل أو ليطعمه الفقراء ويهديه ، أو يبيعه أما للعب فلا يجوز، فهذا لعب لا ينبغي للمؤمن أن يفعله، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن الصيد إلا لمأكلة، يعني ليؤكل وينتفع به" انتهى من موقع الشيخ ابن باز

    فالفقهاء مختلفون بين الكراهة والتحريم في بعض صور الصيد لمجرد اللهو، لكن إذا انضم إلى ذلك تعذيب الحيوان وإيذاؤه بلا مصلحة كان القول بالمنع أقوى.

رابعًا: إذا أعاد السمكة لأنها غير مستساغة هذه الصورة تختلف عن السابقة. فلو اصطاد الرجل السمكة بنية أكلها أو الانتفاع بها، ثم لما أخرجها وجدها صغيرة، أو من نوع لا يحبه، أو غير مستساغة عنده، فقال: أتركها تعيش، وأعادها إلى الماء وهي حية؛ فلا حرج عليه. لأن صيده ابتداءً لم يكن للعبث، وإنما لغرض مباح، ثم زال الغرض بعد أن رآها، فإعادتها إلى الماء خير من قتلها وإلقائها بلا انتفاع. وكذلك لو وجب عليه إطلاقها لسبب معتبر، ككونها صغيرة لا يرغب فيها أو لوجود ضابط نظامي معتبر يمنع الاحتفاظ بها، فإطلاقها لا يجعل أصل الصيد عبثًا. النَّتِيجَةُ: الراجح: يجوز استعمال الدود الحي أو السمك الصغير الحي طُعمًا عند الحاجة لصيد السمك والانتفاع به، مع تقليل أذى الحيوان قدر المستطاع، واستعمال البديل إن كان يحقق المقصود بسهولة. وأما صيد السمك لمجرد المتعة ثم إعادته إلى الماء، بحيث يكون المقصود مجرد اصطياده بالسنارة وإيلامه ثم إطلاقه وتكرار ذلك، فالأقرب عدم جوازه؛ لأنه إيذاء للحيوان من غير مصلحة معتبرة، وإن كان بعض الفقهاء قد عبّر عن أصل الصيد لمجرد اللهو بالكراهة. وأما من صاده بقصد الأكل أو الانتفاع ثم تبين له أنه لا يريده لعدم استساغته أو نحو ذلك فأطلقه حيًّا، فلا حرج عليه؛ لأن صيده لم يكن ابتداءً عبثًا.

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة